
أخبار مكناس 24 – هيئة التحرير
تأتي كلمة المملكة المغربية خلال المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سياق دولي بالغ التعقيد، تتقاطع فيه الحروب والنزاعات الاقليمية مع الازمات الانسانية وتحديات الامن، في وقت تواجه فيه المنظومة متعددة الاطراف اسئلة متزايدة حول قدرتها على تدبير التحولات الدولية والاستجابة للازمات.
وتنعقد اعمال الاسبوع الرفيع المستوى للدورة الـ81 بين 22 و28 شتنبر 2026، تحت شعار “استعادة الثقة، وادارة التحول: امم متحدة في خدمة الجميع”.
وفي هذا السياق، جاءت كلمة المغرب التي القاها وزير الشؤون الخارجية والتعاون الافريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، لتقدم جملة من المواقف والرسائل التي تجمع بين ثوابت السياسة الخارجية للمملكة وبين انخراطها في القضايا الدولية والاقليمية الراهنة. ولم يقتصر الحضور المغربي في نيويورك على الكلمة الرسمية امام الجمعية العامة، بل رافقته دينامية دبلوماسية واسعة من خلال لقاءات ثنائية ومبادرات وفعاليات متعددة على هامش الدورة.
ولقد احتلت القضية الفلسطينية موقعا مركزيا في كلمة المغرب، حيث جدد ناصر بوريطة التأكيد على ان القضية الفلسطينية تمثل “اولوية ثابتة” في السياسة الخارجية للمملكة، وربط تحقيق السلام العادل والدائم باقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وقابلة للحياة، على اساس حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تعيش الى جانب اسرائيل في اطار السلام والامن.
كما جدد المغرب دعوته الى احترام وقف اطلاق النار في قطاع غزة، وضمان وصول المساعدات الانسانية بصورة كافية و منتظمة، ومن دون عوائق او قيود، مع التأكيد على اهمية دعم السلطة الفلسطينية ومواكبة اصلاح مؤسساتها. وتندرج هذه المواقف ضمن المقاربة التي يعلنها المغرب بشأن ضرورة الجمع بين المسار السياسي والعمل الانساني والدبلوماسي.
وتكتسب هذه النقطة اهميتها ايضا من ارتباطها بالدور الذي يضطلع به جلالة الملك محمد السادس حفظه الله بصفته رئيسا للجنة القدس، وما يرتبط بذلك من عمل سياسي ودبلوماسي وبرامج ميدانية تنفذها وكالة بيت مال القدس الشريف.
و إذا كانت القضية الفلسطينية قد حضرت باعتبارها احدى اولويات السياسة الخارجية المغربية، فان قضية الوحدة الترابية للمملكة حضرت ضمن تصور اكثر تحديدا للثوابت التي تؤطر الموقف المغربي من النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
وفي هذا الاطار، يبرز في كلمة السيد ناصر بوريطة “اللاءات الست”، باعتبارها صياغة مكثفة لمجموعة من المحددات التي يقدمها المغرب في تعاطيه مع المسار السياسي لهذا الملف.
اللاء الاولى: لا حل خارج اطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وتضع هذه اللافتة مبادرة الحكم الذاتي في صلب التصور المغربي للحل السياسي، باعتبارها الاطار الذي تقترحه المملكة لمعالجة النزاع، مع ربطها صراحة بالسيادة المغربية.
اللاء الثانية: لا مقاربة او آلية اخرى خارج المسار التفاوضي تحت رعاية الامم المتحدة وعلى اساس وحيد هو مبادرة الحكم الذاتي التي تقدمت بها المملكة المغربية.
وتحيل هذه النقطة الى تمسك المغرب بالمسار الاممي، مع التأكيد على المرجعية التي يعتبرها اساسا للتفاوض. وهي صياغة تميز بين رفض المسار السياسي من جهة، ورفض تعدد المقاربات والآليات التي يرى المغرب انها قد تخرج عن الاطار الذي يعتمده من جهة اخرى.
اللاء الثالثة: لا نقاش ولا جدال ممكن حول مسؤولية الاطراف الاربعة التي حددها بوضوح قرار مجلس الامن.
وهنا يركز الخطاب على مسالة تحديد الاطراف ومسؤولياتها في ضوء قرارات مجلس الامن، بما يعكس تمسكا بالاطار المؤسساتي الاممي وعدم اعادة صياغة طبيعة النزاع خارج المرجعيات التي يعتمدها مجلس الامن.
اللاء الرابعة: لا إبقاء على الوضع القائم الذي تفضله الاطراف الاخرى، فقطار الحل السياسي قد انطلق بالفعل.
وتعبر هذه النقطة عن رفض استمرار الجمود السياسي، وربط المرحلة الراهنة بضرورة الانتقال نحو حل سياسي. وهي بذلك تضع عامل الزمن في قلب المقاربة المغربية، من خلال رفض استمرار ادارة النزاع المفتعل دون أفق واضح لتسويته.
اللاء الخامسة: لا مصداقية لمحاورين ينتهكون وقف اطلاق النار ويرفضون احترام قرار مجلس الامن.
وتربط هذه اللافتة بين مصداقية العملية السياسية واحترام الالتزامات والقرارات الدولية، وخاصة ما يتعلق بوقف اطلاق النار وقرارات مجلس الامن. ومن الناحية السياسية، تعكس هذه الصياغة محاولة جعل احترام الالتزامات الدولية شرطا موازيا لاستمرار العملية التفاوضية.
اللاء السادسة: لا تسمح باستمرار احتجاز سكان مخيمات تندوف كرهائن منذ نصف قرن، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وللقانون الدولي الانساني.
وتمنح هذه النقطة للخطاب بعدا انسانيا وقانونيا، من خلال اثارة وضع سكان مخيمات تندوف وربطه بمقتضيات القانون الدولي والقانون الدولي الانساني. وبذلك لا تبقى القضية في الخطاب المغربي محصورة في ابعادها السياسية والترابية، بل تمتد ايضا الى البعد الانساني المرتبط بالسكان الموجودين في المخيمات.
ومن خلال هذه اللاءات الست، تتبلور بنية متكاملة للموقف المغربي تقوم على الجمع بين تحديد اطار الحل، والتمسك بالمسار الاممي، وتثبيت مسؤوليات الاطراف، ورفض الجمود، وربط العملية السياسية باحترام وقف اطلاق النار وقرارات مجلس الامن، واستحضار البعد الانساني.
ولا تنفصل هذه المواقف عن الحركية الدبلوماسية التي رافقت المشاركة المغربية في الدورة الـ81. فقد شهدت نيويورك لقاءات متعددة اسفرت عن تجديد عدد من الدول مواقفها بشأن سيادة المغرب على صحرائه ودعم مبادرة الحكم الذاتي.
وفي هذا السياق، اعلنت بنما Panama دعمها لسيادة المغرب على كامل ترابه الوطني، واعتبرت مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 اساسا للحل السياسي للنزاع. كما اكدت السيلي Chile دعمها لسيادة المملكة على كامل ترابها، بما في ذلك الصحراء المغربية ، واعتبرت مقترح الحكم الذاتي حلا سياسيا عادلا ودائما ومقبولا من الاطراف. كما جددت كاب فؤردي Cabo Verde و سيراليون Sierra Leone مواقف داعمة للوحدة الترابية للمغرب ولمبادرة الحكم الذاتي.
وتبرز اهمية هذه المواقف في كونها صدرت في سياق اسبوع دبلوماسي مكثف داخل مقر الامم المتحدة، حيث تتحول اللقاءات الثنائية على هامش الجمعية العامة الى فضاء مواز للنقاش الرسمي، وتتيح للدول التعبير عن مواقفها من الملفات الاقليمية وتعزيز علاقاتها الثنائية.
و من السمات اللافتة في الحضور المغربي خلال هذه الدورة عدم اقتصاره على الملفات التقليدية للسياسة الخارجية، بل امتد الى قضايا ذات طبيعة عالمية، من بينها مكافحة خطابات الكراهية وتعزيز الحوار بين الاديان والثقافات وقيم التسامح.
وفي هذا الاطار، شارك السيد ناصر بوريطة الى جانب الامين العام للامم المتحدة ورئيس الجمعية العامة في رئاسة مؤتمر عالمي لمكافحة خطابات الكراهية من خلال تعزيز الحوار بين الاديان والثقافات وقيم التسامح، وذلك على هامش الدورة الـ81.
كما برز الحضور المغربي في النقاشات المرتبطة بالامن الدولي، حيث جدد السيد بوريطة موقف المملكة المغربية من الجماعات المسلحة غير التابعة للدول، ودعا الى تعزيز الاستجابة الدولية للتحديات التي تطرحها، في اطار احترام سيادة الدول وسلامة اراضيها , و مسائلة الدول التي ترعى وتحتضن الجماعات اامسلحة وتدعمها بالمال و السلاح .
وتكشف هذه المواقف عن اتساع مجال الحضور المغربي داخل الاجندة الدولية، من القضايا
الاقليمية المباشرة الى قضايا الامن والتطرف وخطابات الكراهية والحوار بين الثقافات.
ويحتل البعد الافريقي مكانة مهمة في الرؤية المغربية للعمل الدبلوماسي، خصوصا من خلال الربط بين الاستقرار والتنمية والانفتاح الاقتصادي. وقد حضرت المبادرة الملكية الهادفة الى تسهيل ولوج دول الساحل غير الساحلية الى المحيط الاطلسي ضمن اللقاءات التي عقدها الوفد المغربي بنيويورك.
وفي هذا السياق، جددت دول افريقية دعمها للمبادرات المغربية ذات الصلة بالتكامل الاقليمي، بما فيها مبادرة الولوج الى المحيط الاطلسي، وهو ما يعكس انتقال بعض المبادرات المغربية من مستوى التصور السياسي الى مستوى البحث عن اليات للتنفيذ والتعاون.
وعلى مستوى اوسع، طرح السيد بوريطة خلال اجتماع رفيع المستوى لبلدان الجنوب العالمي وشركائها الحاجة الى تعزيز عمل متعدد الاطراف يكون اكثر انصافا وتجديدا وشمولا، بما يسمح بترجمة تطلعات ومصالح دول الجنوب بصورة افضل.
وتكتسب هذه الدعوة دلالتها في ظل الشعار الذي اختارته الامم المتحدة للدورة الحالية، والقائم على استعادة الثقة وادارة التحول. فالمغرب يقدم نفسه، من خلال هذا الخطاب، كطرف يشارك في النقاش حول مستقبل العمل متعدد الاطراف، وليس فقط كدولة تطرح ملفاتها الوطنية والاقليمية.
و تكشف القراءة المتأنية للكلمة المغربية عن محاولة الجمع بين مستويين متلازمين: مستوى الثوابت المرتبطة بالقضية الوطنية وبمواقف المملكة المغربية من القضية الفلسطينية، ومستوى المتغيرات الدولية التي تفرض انخراطا في قضايا الامن والتنمية والتعددية والحوار بين الثقافات.
وفي قضية الصحراء المغربية تحديدا، تبرز اللاءات الست باعتبارها صياغة مكثفة للحدود التي يرسمها المغرب للمسار السياسي كما يراه: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، المسار الاممي، وضوح مسؤوليات الاطراف، رفض الجمود، احترام وقف اطلاق النار وقرارات مجلس الامن، واستحضار الوضع الانساني لسكان مخيمات تندوف.
وفي المقابل، تظهر الحركية الدبلوماسية الموازية داخل نيويورك من خلال مواقف Panama وChile وCabo Verde وSierra Leone وغيرها، بما يجعل الدورة الـ81 فضاء لتجديد النقاش حول القضية الوطنية الأولى ، الى جانب الملفات الدولية الاخرى.
أكيد أن كلمة المغرب في الدورة الـ81 للجمعية العامة للامم المتحدة يمكن قراءتها باعتبارها خطابا متعدد الابعاد، يجمع بين القضية الفلسطينية، والوحدة الترابية، والامن الدولي، والدبلوماسية الافريقية، والدفاع عن تعددية اكثر شمولا.
اما في قضية الصحراء المغربية، فقد شكلت اللاءات الست احد اكثر عناصر الخطاب وضوحا من حيث تحديد منطلقات الموقف المغربي وحدوده، حيث انتقل الخطاب من مجرد التأكيد على الثوابت الى صياغة مجموعة من المحددات المرتبطة بمسار التسوية، ومرجعيتها، ومسؤوليات اطرافها، وشروط استمرارها.
وبذلك تتقاطع في الخطاب المغربي ثلاثة مسارات: ثبات في القضايا التي تعتبرها المملكة المغربية استراتيجية، انخراط في الازمات الدولية الكبرى، ودينامية دبلوماسية موازية تسعى الى توسيع الشراكات والمواقف داخل المنظومة الدولية.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تضع هذه المقاربة المغرب امام رهانات متعددة، تتجاوز الدفاع عن المواقف الوطنية الى المشاركة في النقاشات المتعلقة بمستقبل الامن والتعاون والتنمية والعمل متعدد الاطراف.
