بقلم : أبو مروان :
لقد جاء اعتماد الأمم المتحدة ليوم 10 يونيو يوما عالميا للحوار بين الحضارات ، بقرارها رقم 78/286 ، في 7 يونيو 2024، ليعكس فهما عميقا وتحديا للمفاهيم السائدة حول التفاعلات الحضارية في عالمنا المعاصر . و إن هذا الاحتفاء لا يمثل مجرد مناسبة رمزية، بل يحمل في طياته دلالات عميقة وبأبعاد متعددة، تؤكد على الحاجة الملحة لإعادة صياغة العلاقة بين الثقافات والشعوب في ظل التحديات العالمية الراهنة.
و تتمثل إحدى أهم دلالات هذا اليوم في الإقرار بأن المنجزات الحضارية ليست حكرا على ثقافة أو منطقة جغرافية بعينها ، بل هي “تراث جماعي للبشرية”. هذا التأكيد يمثل رفضا قاطعا للمفاهيم التي تدعو إلى “صدام الحضارات”، ويتبنى بدلا من ذلك رؤية تقوم أساسا على التفاعل والإثراء المتبادل . و إن الإقرار بالتراث المشترك يدعونا إلى تجاوز التصنيفات الضيقة والأحكام المسبقة التي غالبا ما تغذي النزاعات وتعمق الانقسامات . فكل حضارة، بمختلف مكوناتها الفنية والعلمية والفلسفية، قد ساهمت في مسيرة التقدم البشري، و إن فهم هذه المساهمات المشتركة يعزز الشعور بالانتماء إلى عائلة إنسانية واحدة.
علاوة على ذلك، يبرز الاحتفاء بهذا اليوم الدور المحوري للحوار كآلية أساسية لصون السلم والأمن الدوليين وتحقيق التنمية المستدامة . ففي عالم تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية وتتفاقم فيه الأزمات الإنسانية ، يصبح الحوار ليس خيارا ، بل ضرورة استراتيجية ملحة باعتباره الآلية الأكثر فعالية لتبديد سوء الفهم ، وبناء الثقة، وتجاوز التحيزات والخلافات . فالحوار بين الحضارات يتجاوز مجرد تبادل وجهات النظر ليصبح عملية بناءة تهدف إلى إيجاد أرضية مشتركة للتعاون ، والبحث عن حلول جماعية للتحديات التي تواجه البشرية والمرتبطة بتغير المناخ، وبالأوبئة، والفقر، والتطرف…
و من منظور أكاديمي ، يسلط هذا اليوم الضوء على أهمية الدراسات البينية والتعددية الثقافية. ففهم الحضارات الأخرى لا يتطلب فقط دراسة لغاتها وتاريخها وفنونها ، بل يتطلب أيضا التعمق في قيمها وأنظمتها الفكرية ، وكيفية تأثيرها على رؤية العالم لدى أتباعها.
إن هذا اليوم يشجع الجامعات والمؤسسات البحثية على تعزيز برامج تبادل الطلبة والأساتذة ، وتنظيم المؤتمرات والندوات التي تجمع بين الأكاديميين من مختلف الخلفيات الثقافية ، بهدف بناء شبكات معرفية تسهم في تعزيز الفهم المتبادل وتفكيك الصور النمطية ، فضلا عن كونه يدعم الأبحاث التي تستكشف نقاط التلاقي بين الحضارات وكيف يمكن لهذه النقاط أن تشكل أساسًا لبناء مستقبل مشترك واعد .
بالإضافة إلى ذلك، فإن اليوم العالمي للحوار بين الحضارات يحمل دلالة قوية تتعلق بتعزيز رفاه الإنسان والتقدم المشترك .
فالحوار الفعال والمثمر يمكن أن يؤدي إلى مجتمعات أكثر شمولا وعدلا، حيث يتم تقدير وتثمين التنوع الثقافي كمصدر للقوة بدلاً من كونه مصدرا للخلاف . و عندما تتعلم المجتمعات من بعضها البعض ، وتتبادل الخبرات و تتقاسم المعارف ، فإنها تفتح آفاقًا جديدة للابتكار و التنمية. و دون شك أن هذا التبادل لا يقتصر على الجوانب المادية فحسب ، بل يشمل أيضا تعزيز القيم الإنسانية الفضلى ، مثل التسامح، والرحمة، والتعاون، التي تعتبر ركائز أساسية لرفاه الأفراد وتقدم المجتمعات .
أكيد أن اعتماد هذا اليوم يمثل رسالة واضحة من المجتمع الدولي مفادها أن التعددية الثقافية ليست ضعفًا بل هي ثراء. و في عصر تتزايد فيه نزعات الانعزالية والتطرف و الإقصاء الممنهج ، تأتي هذه المبادرة الأممية لتؤكد على أن مستقبل البشرية يكمن في تعزيز أواصر التفاهم والإيخاء والتعاون، وليس في الانكفاء على الذات أو السعي نحو الهيمنة.
إن الحوار بين الحضارات يشكل حاجزا واقيا للتصدي لكل خطاب يغذي الكراهية والتعصب ، وهو السبيل لبناء عالم أكثر انسجاما وتراحما ، حيث يتعايش الجميع في سلام واحترام متبادل ، مستفيدين من غنى التنوع الحضاري لتحقيق صالح البشرية جمعاء .
