يشهد الفضاء العام في العديد من المدن المغربية، وخاصة الكبرى منها، انتشارا لظاهرة مقلقة تتمثل في وجود أعداد متزايدة من المشردين والأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية، يتجولون في الشوارع دون رعاية أو إشراف. ورغم أن التعاطف الإنساني يفرض التعامل مع هذه الفئات باعتبارها ضحايا ظروف اجتماعية أو صحية، إلا أن الواقع يثبت أن إهمال هذه القضية يشكل تهديدا مباشرا لأمن وسلامة المواطنين، مما يستدعي تدخلا عاجلا من السلطات المغربية.
أكيد أن الحوادث المؤلمة التي تسلط الضوء على خطورة هذه الظاهرة تتعدد ، ولعل أبرزها القصة المأساوية للشرطي الذي لقي حتفه أثناء تأدية واجبه في شارع عمومي. فهذا الشرطي لم يكن يقوم سوى بواجبه في فرض النظام وحماية المواطنات و المواطنين، عندما تعرض لهجوم مباغت من شخص يعاني من اضطراب نفسي حاد ، أدى إلى مقتله. هذه الحادثة، التي هزت الرأي العام، ليست مجرد واقعة فردية معزو لة ، بل هي ناقوس خطر يدق ليذكرنا بأن غياب آليات الرعاية والاحتواء لهذه الفئات قد يؤدي إلى عواقب وخيمة لا تقتصر على صحتهم الشخصية، بل تمتد لتشمل الأمن الجماعي للمجتمع .
و من هذا المنطلق ، فإن حماية المواطنات و المواطنين تعتبر من واجبات الدولة الأساسية التي ينص عليها دستور المملكة و المواثيق الدولية. ويتجاوز هذا الواجب مجرد التعامل الأمني مع الحوادث، ليشمل وضع استراتيجيات استباقية ، وقائية ، وعلاجية شاملة ، تتضافر في تنزيل و تفعيل مضامينها جهود كل من وزارة الداخلية، والصحة و الرعاية الإجتماعية ، والأسرة والتضامن الاجتماعي ، والمجتمع المدني ، والإعلام بمختلف مكوناته ، بهدف التعامل مع هذه الظاهرة بطريقة متكاملة.
فعلى المستوى الصحي ، لا يمكن ترك الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية خطيرة يتجولون في الشوارع دون تلقي الرعاية اللازمة. إذ ينبغي على وزارة الصحة والرعاية الإجتماعية تفعيل نظام الإيواء الإلزامي في مصحات الطب النفسي خاصة للحالات التي تشكل خطرا على نفسها أو على الآخرين ، وفقا لإطار قانوني واضح يضمن حقوقهم الإنسانية. كما يجب توفير مراكز رعاية متخصصة تقدم العلاج والدعم النفسي والاجتماعي.
و على المستوى الأمني، فلقد بات من الضروري استفادة نساء و رجال الأمن من تدريب خاص للتعامل مع هذه الحالات بحرفية، مع التركيز على احتواء الموقف دون اللجوء إلى العنف، إلا في حالات الضرورة القصوى للدفاع عن النفس أو عن الغير. كما يجب توفير آليات تواصل وتنسيق فعالة بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات الصحية لنقل هذه الحالات إلى الأماكن المناسبة لتلقي الرعاية الضرورية .
أما على المستوى الاجتماعي فلا يمكن فصل التشرد عن المرض النفسي حيث تتطلب هذه الظاهرة تنزيل برامج اجتماعية تستهدف توفير المأوى والمساعدة للأشخاص المشردين، ومحاولة إعادة دمجهم في المجتمع بعد تأهيلهم.
و في هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور المحوري للمجتمع المدني الذي يمثل حلقة وصل أساسية بين الفئات الهشة والسلطات المعنية . فالجمعيات والمنظمات غير الحكومية تستطيع، من خلال عملها الميداني، تقديم الدعم النفسي والإيواء المؤقت للمشردين، وتوفير المساعدة القانونية للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية وأسرهم، كما يمكنها تنظيم حملات توعية مكثفة لتبديد الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض النفسي، وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن الحالات التي تحتاج إلى مساعدة بطرق آمنة ومدروسة.
و يضطلع الإعلام بمختلف مكوناته بمسؤولية كبيرة في هذه المعركة. فبدلا من التركيز على الجانب الإثاري للحوادث، يجب على المؤسسات الإعلامية أن تسلط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والنفسية للظاهرة. كما يمكن للإعلام أن يساهم في تغيير الصورة النمطية السلبية عن هذه الفئات ، وأن يقدم قصصا إنسانية تحفز التعاطف والتضامن، إضافة إلى دوره في مطالبة المسؤولين بوضع سياسات فعالة لضمان رعاية هذه الفئات وحماية المجتمع في آن واحد .
إن حماية المواطنين من هذه المخاطر لا تعني تهميش أو عزل هذه الفئات ، بل على العكس، إنها دعوة إلى اعتماد مقاربة إنسانية وحضارية تقوم على الوقاية والرعاية. إذ يجب على السلطات المغربية المعنية اتخاذ خطوات ملموسة لإنشاء لجان مشتركة من مختلف القطاعات لوضع خطة وطنية عاجلة لمعالجة هذه الظاهرة. فالإستثمار في برامج الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو استثمار في أمن المجتمع واستقراره ، باعتبار أن حماية الفضاء العام تبدأ بحماية أفراده الأكثر ضعفا وهشاشة.




