اليوم العالمي لحقوق الإنسان: استحضار لمجزرة النظام الجزائري في حق المغاربة .

عبد اللطيف نبيه11 ديسمبر 2025آخر تحديث :
اليوم العالمي لحقوق الإنسان: استحضار لمجزرة النظام الجزائري في حق المغاربة .

أخبار مكناس24// أبو مروان

يمثّل اليوم العالمي لحقوق الإنسان ، الذي يحتفل به العالم في العاشر من دجنبر كل سنة ، مناسبة لإعادة قراءة سجل الدول في مجال احترام الكرامة الإنسانية وتكريس الحقوق الكونية ، كما يشكل لحظة لتقييم مدى انسجام الخطاب الرسمي للدول مع ممارساتها الفعلية. وفي هذا السياق ، يبرز حدث دجنبر 1975 باعتباره إحدى أكثر الصفحات قتامة في تاريخ المنطقة المغاربية ، حين أقدم النظام الجزائري على تهجير جماعي وقسري لآلاف المغاربة الذين عاشوا فوق التراب الجزائري لعقود طويلة .

وقد جاء هذا التهجير في سياق سياسي إقليمي حساس تزامن مع المسيرة الخضراء المظفرة التي نظمها المغرب لاسترجاع أقاليمه الجنوبية من الاستعمار الإسباني. وبدل الانخراط في مقاربات دبلوماسية أو الحوار المؤسساتي و عم المغرب في استكمال وحدته الترابية ، اختار النظام الجزائري آنذاك الرد من خلال إجراء عقابي جماعي استهدف آلاف المدنيين الأبرياء ، في خطوة تعكس توظيفا صارخا للإنسان كأداة صراع سياسي ، بعيدا عن أي معايير قانونية أو حقوقية.

 

وقد تجسدت الانتهاكات المرتكبة في طرد تعسفي واسع النطاق ، تم بدون سابق إنذار وبلا أي سند قانوني . وتعرضت أسر بكاملها للتفكيك ، حيث فُصل الأزواج عن زوجاتهم والأطفال عن آبائهم، فيما صودرت ممتلكاتهم ومساكنهم دون أي تعويض أو إجراءات قانونية . ولم تقتصر المعاناة على فقدان السكن ومصادر العيش ، بل شملت الإهانات ، والمعاملة القاسية ، والتجريد من الوثائق ، والنقل القسري في ظروف لا تراعي الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. وهذه الأفعال تمثل انتهاكا صريحا لمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، بما فيها الحق في الأمان الشخصي ، وحماية الأسرة ، والحق في الملكية ، وعدم التعرض للمعاملة اللاإنسانية.

وقد خلفت هذه المأساة آثارا اجتماعية ونفسية عميقة . فقد وجد آلاف المرحلين أنفسهم أمام واقع مجهول ، بعدما فقدوا وظائفهم وبيوتهم وجذورهم الاجتماعية التي امتدت عبر عقود . ومع غياب أي اعتراف رسمي أو مسار للإنصاف والتعويض من الجانب الجزائري، تحول الألم الفردي إلى جرح جماعي ما زال حيا في وجدان الضحايا وذويهم.

 

ورغم قساوة هذا الحدث وما شكله من انتهاك جسيم للمعايير الدولية ، لم يلجأ المغرب إلى أي ردّ مماثل. فقد احتضن أبنائه المهجرين ، و وفر لهم ظروف العيش بكرامة في وطنهم ، واختارت الدولة المغربية نهجا يتسم بضبط النفس واحترام الجوار ، مؤكدة بذلك أن صون السيادة الترابية لا يمر عبر الانتقام أو استهداف المدنيين ، وأن كرامة الإنسان تظل قيمة عليا لا يمكن التفريط فيها مهما كانت حسابات الظرف السياسي . ويبرز هذا الموقف الفرق بين دولة تشتغل بمنطق المؤسسات والمبادئ ، ونظام اختار أدوات العقاب الجماعي بدل الاحتكام إلى القانون الدولي.

 

إن استحضار هذه الفاجعة خلال اليوم العالمي لحقوق الإنسان ليس مجرد استحضار لصفحة من الماضي، بل هو ضرورة حقوقية للحيلولة دون طمس الذاكرة ، وتثبيت مفهوم عدم الإفلات من العقاب ، وإعادة التأكيد على أن حقوق الإنسان لا يمكن التعامل معها بانتقائية أو ازدواجية المعايير . فالمجتمع الدولي مطالب اليوم بأن ينظر إلى هذا الحدث/ الفاجعة كجزء من الذاكرة الحقوقية للمنطقة ، وكجريمة لم تحظ بعد بالاهتمام اللازم ولا بالإدانة التي تستحقها.

وتزداد دلالة هذا الاستحضار عندما نضعه في سياق المفارقة الراهنة التي تنصب فيها الجزائر نفسها كمدافع عن تجريم الاستعمار وتحقيق العدالة التاريخية للشعوب ، بينما تتجاهل في المقابل فظائع التهجير القسري التي ارتكبت فوق أراضيها ضد المدنيين المغاربة، وضد مواطنيها. ولا يمكن لهذا الخطاب أن يكتسب مشروعيته ما دام غير مصحوب بإرادة حقيقية لنبذ الممارسات التي تشبه في جوهرها ما كانت تقوم به الإدارات الاستعمارية نفسها، من نفي وتهجير ، وتفكيك للأسر ، ومصادرة للممتلكات ، وإخضاع للمدنيين لسياسات عقابية .

 

ومن هذا المنطلق ، يصبح من واجب المجتمع الدولي، دولا ومنظمات وهيئات حقوقية ، التعبير الواضح عن إدانته لهذه الجريمة الشنعاء ، ودعم مسار كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ، حتى لا يتحول مبدأ حقوق الإنسان إلى شعار يرفع حين يخدم المصلحة السياسية ويطوى حين يتعارض معها . فالصمت الدولي تجاه مجزرة التهجير القسري لسنة 1975 يمثل في حد ذاته إخلالا بالقيم الكونية التي يحتفي بها العالم في هذا اليوم.

 

إن استحضار هذه المأساة اليوم هو دفاع عن ذاكرة الضحايا ، وعن حقهم في الاعتراف والإنصاف، وعن صون كرامة الإنسان باعتبارها قيمة لا تسقط بالتقادم . وهو في الآن ذاته دعوة لتعزيز الوعي العالمي بضرورة ألا تتحول التحولات السياسية أو النزاعات الإقليمية إلى مبرر للانتهاكات الجماعية ، حتى يبقى اليوم العالمي لحقوق الإنسان محطة ذات معنى ، تعكس صدق الالتزام بمنظومة حقوقية عادلة وشاملة .

 

دون شك أن إدانة الاستعمار التاريخي لا تكتمل دون إدانة الممارسات التي تكرر منطقه اليوم. ومن ثم، يصبح على المجتمع الدولي أن يعبّر عن رفضه لهذه الجريمة، وأن يضع حدّا للانتقائية التي تضرب في عمق مصداقية المنظومة الحقوقية العالمية.

و إن صمت العالم عن مجزرة التهجير القسري لسنة 1975 يشكل خرقا إضافيا للقيم التي يحتفي بها اليوم العالمي لحقوق الإنسان. فالمبادئ الكونية لا تتحقق بالصمت، ولا يمكن للعدالة الدولية أن تكتسب معناها في ظل تجاهل جرائم موثقة كهذه . إن الواجب الأخلاقي والحقوقي يقتضي الإعتراف الرسمي بهذه الفاجعة ، و إدانة السلوك الذي أنتجها ،فضلا عن دعم الضحايا في مسار تحقيق العدالة ، والتأكيد على أن الذاكرة الحقوقية جزء لا يتجزأ من حماية الكرامة الإنسانية .

الاخبار العاجلة
error: تحذير