في خضم نقاش محتدم حول مستقبل الصحافة بالمغرب ، اختار السيد إدريس لشكر ، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، مقاربة الملف من زاوية تتجاوز الظرفي والآني، لتضع سؤال الإصلاح في صلب الإشكال الديمقراطي والمؤسساتي . فبرأيه ، ما يتداول اليوم من إجراءات ومبادرات لا يرقى إلى مستوى إصلاح بنيوي حقيقي ، بقدر ما يعكس استعجالا قد تكون كلفته مضاعفة على حرية التعبير وتنظيم المهنة .
لشكر لم يتعامل مع وضعية الإعلام باعتبارها أزمة تقنية قابلة للحل بنصوص قانونية معزولة ، بل كأزمة ثقة ورؤية ، محذرا من أن تشريعا لا ينبع من حوار واسع مع الصحفيين ومهنيي القطاع ، ولا يستحضر التحولات العميقة التي تعرفها الممارسة الإعلامية ، محكوم عليه بأن يولد ناقص الشرعية ، ضعيف الأثر ، وسريع التآكل .
وفي معرض تفاعله مع الجدل الذي أثاره تسريب شريط من جلسة لجنة الأخلاقيات بالمجلس الوطني للصحافة ، والمتعلق بالصحفي حميد المهدوي ، أعاد لشكر التذكير بأحد أعمدة دولة القانون : قرينة البراءة . واعتبر أن الانزلاق نحو إصدار الأحكام خارج القضاء لا يخدم لا العدالة ولا المهنة ، بل يفتح الباب أمام توظيف أخلاقيات الصحافة في غير موضعها ، بما قد يحولها إلى أداة للتشهير أو التصفية الرمزية .
وبوضوح سياسي ، نفى لشكر أي علاقة تنظيمية لحزبه بما راج حول هذا الملف ، مشددا على أن الاتحاد الاشتراكي لم يكن طرفا فيه لا قرارا ولا توجيها ، وأن المعنيين يتحملون مسؤولياتهم بصفتهم المهنية الفردية ، لا باسم الحزب أو خياراته . وهو موقف أراد من خلاله التأكيد على الفصل بين الفضاء الحزبي والمؤسسات المهنية ، مهما تداخلت المسارات الشخصية لبعض الفاعلين .
أما الربط الذي جرى تداوله بين غياب اسم يونس مجاهد عن المكتب السياسي الجديد والجدل المثار إعلاميا ، فقد اعتبره لشكر قراءة سطحية لا تعكس حقيقة الدينامية التنظيمية داخل الحزب . وأوضح أن تجديد القيادة شمل مغادرة عدد كبير من الأعضاء ، في إطار إعادة ترتيب داخلية تستهدف ضخ دماء جديدة وبناء جهاز تنفيذي أكثر انسجاما وقدرة على الفعل، بعيدا عن إكراهات الجدل الافتراضي وضغط مواقع التواصل .
وعلى المستوى التشريعي ، وضع لشكر علامات استفهام كبرى حول المنهجية المعتمدة في إعداد القوانين المنظمة لقطاع الصحافة والنشر ، معتبرا أن السرعة في التشريع ، حين تتعلق بحرية التعبير ، تتحول من فضيلة إجرائية إلى خطر دستوري . وفي هذا السياق ، كشف أن الفريق الاشتراكي بمجلس المستشارين طالب بتأجيل البت في النصوص المعروضة ، دفاعا عن ضرورة النقاش الهادئ ، وضمانا لوحدة القاعدة القانونية ، وتفاديا لأي مساس بالتوازنات التي تحكم العلاقة بين الدولة والمهنة .
وخلاصة موقف لشكر أن إصلاح الصحافة لا يمكن أن يدار بمنطق ردّ الفعل أو تحت ضغط اللحظة ، بل يحتاج إلى شجاعة سياسية تعترف باختلالات الماضي ، وإرادة تشريعية تحمي الاستقلالية ، وتعاقد مهني يعيد الاعتبار للصحافة كسلطة مجتمعية ، لا كقطاع قابل للتطويع أو الضبط الظرفي . فدون ذلك ، سيظل أي إصلاح مؤجلا ، وأي قانون معرضا لفقدان معناه قبل أن يجف حبره .
