تشكل التحولات الحضرية المعاصرة أحد أبرز مداخل إعادة تشكيل التراتبيات المجالية وتعزيز تنافسية المدن ، حيث لم يعد التدبير المحلي محصورا في الوظائف التقليدية المرتبطة بتصريف الشأن اليومي ، بل أضحى فاعلا محوريا في إنتاج السياسات العمومية الترابية وصياغة نماذج تنموية مندمجة . وفي هذا الإطار ، تبرز مدينة مكناس كحالة دالة على دينامية حضرية صاعدة ، تسعى إلى إعادة تموقعها ضمن شبكة المدن الجاذبة ، عبر تفعيل مقاربات تدبيرية حديثة تقوم على الالتقائية ، وتسريع وتيرة الإنجاز ، وتحقيق الأثر الملموس على جودة عيش الساكنة .
ضمن هذا السياق ، تشهد جماعة مكناس ، برئاسة السيد العباس الومغاري ، حركية متسارعة في تنزيل برامج التأهيل الحضري ، في تفاعل واضح مع الاستحقاقات التنموية والرهانات المرتبطة بالإشعاع الدولي ، خاصة مع احتضان المدينة لـ الملتقى الدولي للفلاحة ، باعتباره محطة استراتيجية لتسويق صورة العاصمة الإسماعيلية وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية والاستثمارية.
و لقد أضحت مشاريع تأهيل الشوارع والأزقة أحد أبرز ملامح هذا التحول ، حيث يجري العمل على تحديث الشبكة الطرقية داخل المدينة وفق رؤية تستحضر البعد الوظيفي والجمالي معا . فإعادة تهيئة الشوارع و المحاور الكبرى ، و إحداث مدارات جديدة ، و العناية بالمجالات الحضرية الهامشية ، لم تعد مجرد تدخلات تقنية ، بل أصبحت جزءا من استراتيجية أشمل تهدف إلى تقليص الفوارق المجالية وتعزيز الربط الحضري ، بما ينسجم مع مبادئ العدالة المجالية والإنصاف الترابي .
وفي موازاة ذلك ، يحظى تأهيل المساحات الخضراء بعناية خاصة، باعتبارها رافعة أساسية لتحسين جودة الحياة الحضرية وتعزيز التوازن البيئي داخل المدينة. فإعادة الاعتبار للحدائق والمنتزهات، و إحداث و توسيع الفضاءات الخضراء ، يعكسان وعيا متقدما بأهمية الرأسمال البيئي في تحقيق تنمية حضرية مستدامة ، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية والضغط العمراني .
أما على مستوى الإنارة العمومية ، فقد تم تسجيل مجهودات نوعية في اتجاه تجديد وتقوية هذه الخدمة الحيوية ، من خلال اعتماد تجهيزات حديثة ذات نجاعة طاقية ، بما يسهم في تحسين السلامة الطرقية وتعزيز الإحساس بالأمن لدى الساكنة . ويعكس هذا الورش توجها نحو تحديث المرافق الحضرية وفق مقاربة الحكامة الجيدة وترشيد الموارد .
ولا يقل الاهتمام بنظافة المدينة أهمية عن باقي الأوراش ، إذ يشكل هذا الجانب واجهة أساسية تعكس صورة المدينة لدى الزوار والمستثمرين . وفي هذا الصدد ، يظهر أن جماعة مكناس تبنت مقاربة استباقية ترتكز على تحسين خدمات جمع النفايات وتعزيز آليات المراقبة والتتبع ، بما يضمن استدامة الجهود المبذولة .
ومن زاوية تحليلية ، يمكن اعتبار هذه الدينامية جزءًا من رؤية ترابية متكاملة يقودها السيد رئيس الجماعة ، تقوم أساسا على التفاعل الإيجابي مع رهانات الإشعاع الدولي للمدينة ، خاصة مع اقتراب مواعيد كبرى من قبيل الملتقى الدولي للفلاحة . فمثل هذه التظاهرات لا تمثل فقط فرصا ظرفية ، بل تشكل رافعة استراتيجية لتسويق صورة المدينة وتعزيز مكانتها ضمن المدن القادرة على احتضان الملتقيات الكبرى .
أكيد أن ما يميز تجربة التدبير المحلي بمكناس في هذه المرحلة ، هو الانتقال من منطق التدبير التقليدي إلى منطق الفعل العمومي المنتج للقيمة ، حيث تتقاطع الأبعاد التنموية والبيئية والجمالية ضمن رؤية مندمجة . كما أن وتيرة الإنجاز المتسارعة تعكس إرادة سياسية واضحة في تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع ، بعيدا عن منطق الانتظارية أو التدبير المرحلي .
دون شك ، يمكن القول إن جماعة مكناسو، تحت قيادة السيد العباس الومغاري ، تنخرط في مسار إعادة بناء الثقة في العمل الجماعي ، من خلال التركيز على مشاريع ذات وقع مباشر على الحياة اليومية للمواطنات والمواطنين ، مع استحضار رهانات التنافسية الترابية والإشعاع الدولي . وهو مسار ، رغم ما قد يطرحه من تحديات مرتبطة بالاستدامة والتمويل ، يظل مؤشرا إيجابيا على تحول نوعي في تدبير الشأن المحلي، قوامه الفعالية ، والالتقائية ، وحسن توظيف الفرص الاستراتيجية المتاحة .




