الزيارات المفاجئة للمؤسسات التعليمية كمدخل لإعادة بناء مصداقية التقييم التربوي بالمغرب.

عبد اللطيف نبيهمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
الزيارات المفاجئة للمؤسسات التعليمية كمدخل لإعادة بناء مصداقية التقييم التربوي بالمغرب.

في سياق التحولات التي يعرفها قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالمغرب، تبرز الزيارات الميدانية المفاجئة التي يقوم بها السيد الوزير سعد برادة إلى عدد من المؤسسات التعليمية ، سواء في إفران أو مكناس ، باعتبارها ممارسة تدبيرية ذات حمولة استراتيجية ، تعكس توجهًا نحو إعادة توجيه آليات التقييم من الشكل إلى الجوهر ، ومن الانطباع الظرفي إلى التشخيص الواقعي .
فالزيارات المعلنة ، رغم أهميتها التواصلية ، غالبا ما تتيح هامشا واسعا لإعادة ترتيب الواجهات وتقديم صورة مُحسّنة عن الواقع ، حيث يتم الاستعداد المسبق لها عبر تعبئة استثنائية للموارد وتنظيم الفضاءات بشكل لا يعكس بالضرورة الوضعية اليومية للمؤسسة . في المقابل ، تمنح الزيارات المفاجئة إمكانية الولوج إلى “الحقيقة التربوية” كما هي ، دون وسائط تجميلية، بما يسمح برصد أدق لمستوى التعلمات ، ونسبة الهدر المدرسي ، وطبيعة التفاعل داخل الفصول الدراسية ، و الانخراط في أنشطة الحياة المدرسية ،فضلا عن جودة وحكامة التدبير الإداري ، وظروف الاشتغال الفعلية للأطر التربوية ، و مدى مشاركتها في تنزيل وتفعيل المشاريع التربوية.

ومن هذا المنطلق ، تشكل هذه الزيارات أداة فعالة لإعادة بناء مصداقية التقييم داخل المنظومة التربوية ، إذ تضع الفاعلين أمام واقعهم اليومي ، وتحد من الفجوة القائمة بين التقارير الرسمية والواقع المعيش . كما أنها تسهم في تقويض منطق “التدبير بالمناسبات” الذي يطغى أحيانا على الأداء المؤسساتي ، وتعوضه بمنطق الاستمرارية والانخراط الدائم لتحقيق رهان تجويد المنظومة التربوية .

كما أن اعتماد عنصر المباغتة يعزز من فعالية مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ، ليس من زاوية الزجر ، بل من خلال ترسيخ ثقافة مهنية قائمة على الجاهزية الدائمة والالتزام المستمر بالمعايير التربوية . فالفاعلون، في ظل هذا النمط من التتبع ، يصبحون مدعوين إلى الحفاظ على مستوى معين من الجودة بشكل يومي ، بدل الارتباط بإيقاع زيارات دورية معلومة سلفا .
وتكتسي هذه المقاربة التي ينهجها السيد الوزير برادة أهمية خاصة في سياق تنزيل مشاريع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة ، حيث يتطلب نجاح الإصلاحات توفر آليات دقيقة لقياس الأثر الحقيقي على أرض الواقع . فالزيارات المفاجئة تتيح التقاط مؤشرات نوعية حول مدى تفعيل البرامج ، وحجم التحديات التي تعترضها ، وهو ما يمكن صانع القرار من اتخاذ إجراءات تصحيحية مبنية على معطيات ملموسة .
وفي الآن ذاته ، لا ينبغي اختزال هذه الزيارات في بعدها الرقابي ، بل يتعين فهمها كأداة للتقويم والدعم في آن واحد ، إذ تفتح المجال أمام تواصل مباشر مع الأطر التربوية والإدارية ، وتتيح الإنصات لانشغالاتهم واقتراحاتهم ، بما يعزز الإحساس بالإنصاف المؤسسي ويقوي جسور الثقة بين المركز والميدان .
غير أن الرهان الحقيقي يظل مرتبطًا بمدى قدرة هذه الزيارات على إنتاج أثر فعلي يتجاوز لحظة المعاينة ، نحو تفعيل آليات المتابعة واتخاذ القرارات التصحيحية اللازمة ، حتى لا تتحول إلى مجرد حدث رمزي . فنجاعتها تقتضي إدماجها ضمن منظومة مؤسساتية للتقييم المستمر ، مدعومة بإمكانيات بشرية ولوجستية كافية .
أكيد أن الزيارات المفاجئة للسيد سعد برادة وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة تمثل تحولا نوعيا في فلسفة تدبير الشأن التربوي ، إذ تعيد الاعتبار للواقع اليومي للمؤسسة التعليمية كمحدد أساسي لصياغة القرار العمومي ، وتؤسس لثقافة جديدة قوامها الصدق في التشخيص ، والاستمرارية في الأداء ، والربط الفعلي بين المسؤولية والمحاسبة ، وهو ما يجعلها مدخلا واعدا لتعزيز جودة التعليم واستعادة الثقة في المدرسة العمومية .

الاخبار العاجلة
error: تحذير