في خطوة تحمل أبعادا تاريخية وثقافية وسياسية متعددة ، صادق الكنيست الإسرائيلي ، في قراءة أولى ، على مشروع قانون يقضي بإحداث يوم وطني خاص بتراث اليهود المغاربة ، في مبادرة تعكس المكانة المتميزة التي تحتلها الجالية اليهودية ذات الأصول المغربية داخل المجتمع الإسرائيلي ، وتؤكد الحضور المتنامي للذاكرة المغربية في الفضاء العمومي والمؤسساتي للدولة العبرية .
ويأتي هذا المشروع ، الذي تقدم به النائب ينون أزولاي عن حزب “شاس”، ليمنح الاعتراف الرسمي لأحد أبرز المكونات الثقافية التي أسهمت في تشكيل الهوية الاجتماعية الإسرائيلية الحديثة .
وينص المشروع على تخصيص يوم سنوي للاحتفاء بالتراث اليهودي المغربي ، إلى جانب تخليد ذكرى ضحايا سفينة “إيغوز” التي غرقت سنة 1961 خلال محاولة نقل مهاجرين يهود من المغرب إلى إسرائيل ، في حادثة شكلت محطة مؤثرة في تاريخ الهجرة اليهودية المغربية .
وتقترح المبادرة تنظيم سلسلة من الأنشطة والمؤسسات الرسمية المرتبطة بهذه المناسبة ، تشمل عقد جلسة خاصة داخل الكنيست ، وتنظيم ندوات أكاديمية ومؤتمرات علمية يشارك فيها مؤرخون وباحثون ومتخصصون في تاريخ الهجرات والذاكرة الجماعية ، فضلا عن إدراج برامج تربوية وثقافية داخل المؤسسات التعليمية للتعريف بتاريخ اليهود المغاربة وإبراز مساهماتهم الحضارية والثقافية .
ويعكس هذا التوجه وعيا متزايدا لدى صناع القرار في إسرائيل بأهمية الحفاظ على الذاكرة الجماعية لمختلف مكونات المجتمع الإسرائيلي، خصوصا تلك التي ارتبطت بموجات الهجرة القادمة من بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط . كما يندرج ضمن مسار أوسع لإعادة الاعتبار للروافد الثقافية غير الأوروبية التي أسهمت في بناء الدولة العبرية منذ تأسيسها .
ومن الناحية الديمغرافية والثقافية ، تعد الجالية اليهودية المغربية من أكبر وأبرز الجماعات اليهودية ذات الأصول العربية داخل إسرائيل ، حيث لعب أفرادها أدوارا بارزة في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والفنون والإدارة العمومية . وقد حافظت هذه الجالية ، رغم اندماجها في المجتمع الإسرائيلي ، على العديد من عناصر هويتها المغربية ، سواء من خلال اللغة والعادات الاجتماعية أو عبر الموسيقى والمطبخ والطقوس الدينية والتراث الشعبي .
وتحمل هذه المبادرة أيضا دلالات رمزية تتجاوز البعد الثقافي ، إذ تعكس استمرار الارتباط الوجداني والرمزي لليهود المغاربة ببلدهم الأصلي ، كما تؤكد المكانة الخاصة التي يحتلها المغرب في الذاكرة الجماعية لهذه الفئة . ويكتسب هذا المعطى أهمية إضافية في ظل ما راكمته المملكة المغربية من تجربة متميزة في مجال صيانة التراث العبري المغربي ، والحفاظ على الموروث الديني والثقافي اليهودي باعتباره جزءا أصيلا من الهوية الوطنية متعددة الروافد .
ومن المرتقب أن يحال مشروع القانون على اللجان البرلمانية المختصة لاستكمال مسطرة التشريع ، تمهيدا لعرضه على القراءتين الثانية والثالثة قبل المصادقة النهائية عليه . وفي حال اعتماده بشكل نهائي، سيصبح يوم تراث اليهود المغاربة مناسبة وطنية رسمية ضمن الأجندة السنوية الإسرائيلية ، بما يعزز حضور الذاكرة المغربية داخل المؤسسات السياسية والثقافية والتعليمية للدولة العبرية .
وتكشف هذه الخطوة، في عمقها ، عن التحولات التي تشهدها مقاربات الذاكرة والهوية في المجتمعات المعاصرة ، حيث لم تعد الهجرة مجرد حدث تاريخي من الماضي ، بل أصبحت رصيدا ثقافيا ورمزيا تسعى الدول إلى استثماره في بناء سردياتها الوطنية وتعزيز تماسكها المجتمعي .
وفي هذا السياق ، يبرز التراث اليهودي المغربي بوصفه نموذجا حيا لذاكرة عابرة للحدود ، استطاعت أن تحافظ على جذورها المغربية رغم تعاقب الأجيال وتغير السياقات الجغرافية والسياسية .
