أخبار مكناس 24 – عبداللطيف نبيه
في تحول دراماتيكي يعيد رسم خارطة الاقتصاد الأوروبي، نجحت إسبانيا في الخروج من ظلال أزمتها المالية القاسية عام 2008 لتتحول إلى أحد أسرع الاقتصادات نمواً في القارة العجوز، مسجلة أداءً استثنائياً وضعها على رأس قائمة الدول العالمية من حيث رفع مستوى معيشة السكان في عام 2024 وفقاً لتصنيف مجلة “الإيكونوميست”. هذا الصعود الذي وصفته مجلة “أتلانتيك” بـ”الاستثناء الإسباني” لم يأتِ بمحض الصدفة، بل كان ثمرة إستراتيجية اقتصادية جريئة تبنتها حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، قلبت الموازين التقليدية التي أرستها سنوات التقشف في جنوب أوروبا، وأثبتت أن تعزيز القدرة الشرائية للفئات الأكثر احتياجاً يمكن أن يكون محركاً أساسياً للنمو المستدام.
تستند التجربة الإسبانية في جوهرها إلى إعادة التفكير في علاقة الاقتصاد بالعدالة الاجتماعية، حيث انتهجت مدريد سياسات تضمنت رفع الحد الأدنى للأجور بنحو 30%، وفرض قيود على العقود المؤقتة، وإطلاق برامج للدخل الأساسي للأسر الفقيرة. ويرى كارلوس كويربو، نائب رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد، أن فلسفة هذا النمو تقوم على مبدأ بسيط وهو أن الفئات الأقل دخلاً، حين تحصل على أموال إضافية، تميل إلى إنفاقها في الاقتصاد الحقيقي، مما يحفز النشاط التجاري ويخلق فرص عمل، على عكس الأثرياء الذين يميلون إلى ادخارها. هذا النهج جاء كدرس مستفاد من أزمة 2008، التي أثبتت أن سياسات التقشف وتجميد الأجور لم تؤدِ إلا إلى تعميق الفجوات الطبقية وتغذية الغضب الشعوبي.
ولعل المحرك الأكثر إثارة للجدل، والأكثر فاعلية في الوقت نفسه، كان التوسع غير المسبوق في قنوات الهجرة القانونية لمواجهة تحدي شيخوخة المجتمع ونقص العمالة الذي برز بقوة بعد جائحة كورونا. ففي الفترة بين عامي 2021 و2023، استقبلت إسبانيا أكثر من 3 ملايين مهاجر، في موجة هي الأكبر في تاريخها، ركزت فيها الحكومة على تسهيل استقدام العمالة من أمريكا اللاتينية الذين يمتلكون تقارباً لغوياً وثقافياً، مع تسريع إجراءات تصاريح العمل وتوجيه المهاجرين نحو المناطق التي تعاني من انخفاض في عدد السكان في سن العمل. وعلى عكس التوقعات التي قد تثيرها الخطابات الشعبوية، لم يؤدِ هذا التدفق إلى إضرار بالعمال المحليين، بل ساهم في خفض معدلات البطالة بين الإسبان أنفسهم ورفع متوسط الدخل العام، ليؤكد مراقبون ومحللون مثل ويليام تشيسليت أن الهجرة كانت العامل الأهم وراء هذه الطفرة الاقتصادية.
إن ما حققته إسبانيا اليوم يمثل نموذجاً سياسياً واقتصادياً لافتاً، إذ نجحت الحكومة في موازنة معادلة صعبة؛ فهي من جهة تبنت سياسات يسارية جريئة كانت تخشى أحزاب أخرى في أوروبا الإقدام عليها، ومن جهة أخرى واجهت معضلة صعود اليمين المتطرف عبر نهج براغماتي يفصل بين التشدد في ضبط الحدود البحرية لمنع الهجرة غير الشرعية وبين الترحيب بالهجرة القانونية المنظمة التي يحتاجها الاقتصاد بشدة. وبفضل هذه السياسات، لم تقتصر نتائج “الاستثناء الإسباني” على الأرقام الاقتصادية الإيجابية، بل امتدت لتشمل تراجع معدلات الفقر والتفاوت الاجتماعي إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقدين، مما منح حزب العمال الاشتراكي الحاكم استقراراً سياسياً مكنه من البقاء في السلطة لثماني سنوات، في وقت شهدت فيه دول أوروبية أخرى تراجعاً ملحوظاً في شعبية الأحزاب التقليدية لصالح قوى يمينية متطرفة، لتقدم مدريد بذلك درساً عالمياً حول كيفية تحويل التحديات الديموغرافية والاجتماعية إلى فرص للنمو والازدهار.
