أخبار مكناس 24 – عبداللطيف نبيه
ليست التنمية مجرد أرقام تُدرج في الميزانيات أو تدشينات لمشاريع البنية التحتية ، بل هي عقد اجتماعي متجدد بين المؤسسة المنتخبة والساكنة ، ورؤية استراتيجية تجعل المواطن محور الفعل العمومي وغايته . وفي هذا السياق ، تبرز رؤية السيد العباس الومغاري ، رئيس مجلس جماعة مكناس ، لتضع المدينة أمام اختبار حقيقي للانتقال من منطق التدبير اليومي للأزمات إلى أفق التخطيط الاستراتيجي المستدام .
وانطلاقا من هذه الرؤية ، تتجسد ملامح المشروع التنموي للمدينة في مجموعة من الأوراش المهيكلة التي أعلن عنها المجلس الجماعي ، وفي مقدمتها تأهيل الأحياء الهامشية ، وتطوير منظومة النقل الحضري ، وتوفير الوعاء العقاري للمشاريع الكبرى . وهي أوراش لا تنفصل عن بعضها البعض ، بل تشكل حلقات متكاملة ضمن تصور يروم إعادة التوازن المجالي وتعزيز العدالة الاجتماعية .
فإذا كان تأهيل الأحياء الهامشية يبدو في ظاهره تدخلا عمرانيا وتقنيا ، فإنه في العمق يعكس اعترافا بحق المواطن في العيش في بيئة ملائمة ، وإعادة إدماج لفئات ظلت لسنوات خارج دائرة التنمية . ومن ثم ، فإن هذا التوجه لا يقتصر على تحسين البنية التحتية ، بل يمتد إلى ترسيخ قيم الإنصاف المجالي وتقوية الشعور بالانتماء إلى المجال الحضري .
وعلى المنوال ذاته ، يتجاوز إصلاح قطاع النقل الحضري مجرد تحديث لأسطول الحافلات أو تطوير الخدمات اللوجستية ، ليغدو أداة استراتيجية لتحقيق العدالة المجالية .
كما أن من شأن ربط الأحياء البعيدة بمركز المدينة وبأقطابها الاقتصادية أن يسهم في خلق دينامية جديدة تيسر الولوج إلى التعليم والتكوين وفرص الشغل ، بما يعزز الحركية الاجتماعية والاقتصادية .
وإذا كان النقل يشكل رافعة للاندماج المجالي ، فإن توفير الوعاء العقاري يمثل بدوره شرطا أساسيا لتوجيه التنمية الحضرية وضمان استدامتها . فاقتناء العقار وتحريره بهدف تنزيل مشاريع كبرى لا يعكسان فقط رؤية استشرافية لمستقبل مكناس ، بل يؤسسان أيضا لنمو حضري منظم يحد من العشوائية ويستقطب استثمارات مهيكلة و بما يضمن خلق فرص شغل للشباب وإشعاع اقتصادي للمدينة .
غير أن تحقيق هذه الرهانات يظل رهيناً بتضافر جهود مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمجتمعيين ، باعتبار التنمية تنبتي في جوهرها على مشروع جماعي يتجاوز حدود التدبير الإداري إلى بناء تعاقد جديد بين المدينة وساكنتها .
وعلى هذا الأساس ، فإن المعيار الحقيقي لنجاح هذه السياسات لن يكون عدد المشاريع المنجزة فحسب ، وإنما مدى انعكاسها الإيجابي على الحياة اليومية للمواطن ، من خلال تحسين الخدمات وتعزيز شروط العيش الكريم وتقليص الفوارق المجالية .
أكيد أن ترسيخ العدالة المجالية يشكل الرهان الحقيقي لأي مشروع تنموي . ومن هذا المنطلق ، فإن الرؤية التي يقودها العباس الومغاري بمكناس تقوم على إرساء نموذج تنموي يجعل الإنسان محور السياسات العمومية ، والتنمية المستدامة أفقا استراتيجيا للمدينة .
و حين تصبح التنمية مشروع مدينة يتقاسمه الجميع وينخرطون في إنجازه ، تتحول مكناس من فضاء للتدبير اليومي إلى ورش مفتوح لصناعة المستقبل ، في توازن يحفظ ذاكرتها التاريخية ويؤسس لغد مشرق أكثر إنصافا وازدهارا .
