تعيش مدينة مكناس على وقع أزمة نقل حضري خانقة، تفاقمت تداعياتها لتصل إلى طريق مسدود بين الشركة المفوض لها تدبير هذا القطاع ومستخدميها، الذين وجدوا أنفسهم في قلب عاصفة من الوعود المتكررة التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ. وتتجلى فصول هذه المأساة في استمرار انقطاع صرف أجور المستخدمين لأزيد من ثلاثة أشهر، وهو الوضع الذي زج بمئات العمال وأسرهم في ظروف اجتماعية ومعيشية مزرية، حيث باتت أبسط متطلبات الحياة تشكل تحدياً يومياً في ظل غياب أي أفق زمني محدد لإنهاء هذه المعاناة، رغم الالتزامات السابقة التي قطعتها إدارة الشركة بصرف مستحقاتهم المتأخرة، لتجد الأطر العاملة نفسها أمام سياسة “التملص” التي فاقمت من حالة الاحتقان والإحباط داخل صفوفهم.
وفي محاولة لاستجلاء أسباب هذا التعثر، كشف مسؤول داخل الشركة في اتصال مع جريدة “أخبار مكناس 24” أن المؤسسة تعاني بدورها من أزمة خانقة، مرجعاً السبب إلى ارتفاع التكاليف التشغيلية وعدد من الإكراهات والمشاكل التي تتخبط فيها الشركة، وهي التبريرات التي يراها العمال بعيدة عن واقعهم المعاش ومطالبهم المشروعة في الحصول على أجورهم مقابل عملهم الذي قدموه، خاصة وأن انعكاسات هذه الأزمة لا تقتصر على الجانب المادي للعمال فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها القاتمة على استقرار أسرهم.
وأمام هذا الانسداد، يجد المواطن المكناسي نفسه اليوم في عين العاصفة، حيث بات يدفع ثمن هذا النزاع من وقته وجهده وكرامته. فالإضراب الذي يخوضه العمال منذ أزيد من 15 يوماً تسبب في شلل تام لحركة التنقل بالمدينة، مما أربك قضاء مصالح المواطنين، وحتى مع حلول العطلة الصيفية التي ينتظر فيها سكان المدينة الاستمتاع بأوقاتهم، تحولت تنقلاتهم إلى رحلة عذاب يومية. وقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء لصرخات الغضب الشعبي، حيث استنكر المكناسيون “الوضعية الكارثية” للحافلات المهترئة التي لا تليق بمكانة العاصمة الإسماعيلية، مطالبين بوضع حد لهذا العبث. إن المواطن المكناسي، الذي بات يفتقر اليوم لأبسط حقوقه في تنقل آمن وكرامة محفوظة، ينتظر تدخلاً عاجلاً وحازماً من الجهات الوصية لإنصاف العمال المقهورين أولاً، ولإعادة الاعتبار لهذا المرفق الحيوي الذي لم يعد يقدم سوى المعاناة لمستعمليه.
