أخبار مكناس 24 – بقلم أبو مروان
لا تقاس المدن العريقة بما تمتلكه من أسوار شامخة ، أو بما تختزنه من مآثر تاريخية ، بقدر ما تقاس بما تتركه في وجدان أبنائها من أثر ، وما تغرسه فيهم من إحساس بالانتماء والمسؤولية . فالمدينة ، في معناها الحضاري ، ليست فضاءً للإقامة فحسب ، بل وعاءٌ للذاكرة ، ومجال لتشكيل الهوية ، وإطارا تتفاعل داخله الثقافة والتاريخ والإنسان . ومن هذا المنظور ، تبدو مكناس أكثر من مجرد مدينة ؛ إنها تجربة حضارية متجددة ، وذاكرة وطنية حية ، ومدرسة في الاعتزاز بالانتماء .
لقد استطاعت مكناس ، عبر تاريخها الممتد عبر قرون ، أن تشيد لنفسها مكانة متميزة في مسار الدولة المغربية ، بفضل ما راكمته من رصيد سياسي وعلمي وثقافي وعمراني . وقد شكلت ، خلال عهد السلطان المولى إسماعيل ، محطة مفصلية في تاريخ المغرب ، حيث تحولت إلى عاصمة للدولة ، وشهدت نهضة عمرانية جعلت منها إحدى أبرز الحواضر الإسلامية .
غير أن قيمة مكناس لا تكمن في آثارها العمرانية وحدها ، مهما بلغت روعتها ، وإنما في الإنسان الذي صنع تاريخها ، وفي الثقافة التي احتضنتها ، وفي القيم التي كرستها عبر الأجيال .
فالمدينة ليست أحجارا صامتة ، بل كائنًا اجتماعيًا حيًا ، تتوارث الأجيال داخله قيم العيش المشترك ، والاعتدال ، والإبداع ، والعمل . ولذلك ظلت مكناس فضاءً للعلم والمعرفة ، وملتقى للثقافات ، وحاضنة للفنون والحرف ، ومجالا لصناعة النخب التي أسهمت في خدمة الوطن في مختلف المجالات .
إن سر تميز مكناس يكمن في قدرتها على الجمع بين الأصالة والتجدد . فهي مدينة تحفظ ذاكرتها دون أن تنغلق داخلها ، وتنفتح على المستقبل دون أن تتنكر لجذورها . وهذه المعادلة هي التي تجعلها مؤهلة اليوم لتجديد أدوارها التنموية والثقافية ، في سياق التحولات التي يشهدها المغرب ، وما تعرفه المدن التاريخية بفضل الرؤية الملكية الحكيمة ، من أوراش للتأهيل الحضري ، وصيانة التراث ، وتعزيز الجاذبية الاقتصادية والسياحية والثقافية .
غير أن مستقبل مكناس لا يمكن أن يبنى على الذاكرة وحدها ، كما لا يصنعه الحنين إلى الماضي . فالمدن التي تحافظ على مكانتها هي التي تحول تاريخها إلى قوة اقتراح ، وتراثها إلى رافعة للتنمية ، وثقافتها إلى استثمار في الإنسان. ومن هنا ، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في بلورة استراتيجية تنموية تجعل من الرأسمال اللامادي للمدينة أساسا لبناء اقتصاد ثقافي وسياحي مستدام ، وتعزز مكانتها باعتبارها قطبا علميا وثقافيا واقتصاديا في قلب المملكة .
وتظل الجامعة ، والمؤسسات الثقافية ، والجماعات الترابية ، والقطاع الخاص ، والمجتمع المدني ، مدعوة إلى بناء شراكة حقيقية تجعل من مكناس فضاء للإبداع والابتكار ، ومن تراثها مصدرا لإنتاج المعرفة والثروة .

فالمدينة التي تستثمر في ثقافتها ، إنما تستثمر في مستقبلها، لأن التنمية لا تقاس بالبنيات التحتية وحدها ، بل أيضا بقدرتها على بناء و تأهيل الإنسان ، وترسيخ قيم الوطنية و المواطنة ، وتعزيز جودة الحياة .
كما أن مسؤولية النهوض بمكناس ليست مسؤولية المؤسسات وحدها ، بل هي مسؤولية جماعية يتقاسمها جميع أبنائها . فحب المدينة لا يُختزل في التغني بأمجادها ، وإنما يتجسد في احترام فضائها العام ، والمحافظة على نظافتها ، وصون مآثرها ، وتشجيع المبادرات الثقافية ، والإسهام في إشعاعها العلمي والفني . فالمواطنة الصادقة هي التعبير الأسمى عن الانتماء .
إن مكناس التي تسكنني ليست مجرد مدينة ارتبطت بها الذاكرة ، بل هي منظومة قيم ، وفضاء لصناعة الوعي ، ومدرسة في الوفاء . وكلما تعمقت في قراءة تاريخها ، ازددت اقتناعا بأن المدن العظيمة لا تعيش على أمجادها ، وإنما تستمد قوتها من قدرة أبنائها على تحويل ذلك المجد إلى مشروع متجدد للمستقبل .
لهذا ، فإن الوفاء الحقيقي لمكناس لا يكون بالحنين إليها ، بل بالعمل من أجلها ؛ ولا باستحضار تاريخها فحسب، بل بالإسهام في صناعة مستقبلها الواعد . فحين تسكن المدينة وجدان أبنائها، تصبح مسؤولية مشتركة ، ويغدو الحفاظ على إشعاعها واجبا وطنيا وأخلاقيًا .
وستظل مكناس ، بما تحمله من عمق حضاري ورصيد إنساني ، مدينة تلهم أبناءها ، وتمنح لمعنى الانتماء أبعاده النبيلة ، وتؤكد أن المدن العريقة لا تشيخ ، لأنها تتجدد بأهلها ، وبثقافتهم ، وبإيمانهم الدائم بأن المستقبل يُبنى على أساس ذاكرة راسخة وإرادة لا تنطفئ .
