أعاد النقاش الأخير حول الوضع البيئي بمدينة مكناس طرح سؤال جوهري يتجاوز حدود السجال الإعلامي الظرفي، ويتعلق بمدى احترام الدقة والتحقق والتدقيق في تناول القضايا التي تهم الشأن العام المحلي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقطاع حساس من قبيل تدبير النفايات والبيئة، وما يرتبط به من مسؤوليات قانونية ومؤسساتية متعددة.
فالمقال المنشور مؤخرا حول الوضع البيئي بالعاصمة الإسماعيلية تضمن، بحسب المعطيات التي قدمها رئيس مجلس جماعة مكناس السيد العباس الومغاري في رده، معطيات تحتاج إلى مراجعة دقيقة، خاصة بعدما أشار إلى استعمال صورة لمطرح للنفايات بمدينة القنيطرة وتقديمها في سياق يوحي بارتباطها بمدينة مكناس. وهذه مسألة مهنية أساسية، لأن الصورة في العمل الصحفي ليست مجرد عنصر بصري، وإنما وثيقة دلالية يفترض أن تكون مطابقة للمكان والزمان والموضوع الذي تعالجه.
والأكثر أهمية أن المقال ذاته، كما يظهر من مضمونه، أورد تصريحا يتحدث عن مسؤولية ما يسمى بـ«المجموعة الحضرية لمنطقة مكناس فاس» في تدبير مطرح النفايات، وهو توصيف مؤسساتي يثير بدوره إشكالا جديرا بالتوقف عنده؛ إذ إن تحديد المسؤوليات في تدبير المرافق العمومية لا يمكن أن يقوم على الانطباع أو التقدير، وإنما على البنية القانونية والتنظيمية الفعلية للجهات والمؤسسات المتدخلة.

كما أن الاستناد إلى معطيات واردة في تقرير للمجلس الأعلى للحسابات بشأن جماعات أخرى بجهة فاس-مكناس، ثم وضعها في سياق يوحي بأنها تخص جماعة مكناس مباشرة، يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ المنهجي. فالتقرير المشار إليه تناول، بحسب النص المنشور، عقود التدبير المفوض للنفايات بجماعات من بينها الحاجب وأكوراي وسبع عيون وعين تاوجطات، وليس من الدقة العلمية نقل هذه المعطيات باعتبارها تشخيصا مباشرا لوضعية جماعة مكناس.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين وجود إشكال بيئي محتمل يستحق المعالجة وبين إسناد المسؤولية القانونية والإدارية عنه إلى جهة بعينها. فالحديث عن دخان أو روائح أو اختلالات محتملة في مطرح للنفايات ينبغي أن يكون موضوع معاينة ميدانية وقياسات بيئية وتقارير تقنية تحدد مصدر الانبعاثات وطبيعتها والمسؤوليات المرتبطة بها، بدل الانتقال مباشرة من الشكاية أو الملاحظة إلى إصدار أحكام قطعية.
وفي هذا السياق، يبدو رد السيد العباس الومغاري منسجما مع منطق المسؤولية المؤسساتية، حين اختار التأكيد على ضرورة تصحيح المعطيات والدفاع عن المؤسسة التي يرأسها، مع احتفاظ الجماعة بحقها في اللجوء إلى الجهات المختصة. فاللجوء إلى المؤسسات والآليات القانونية يظل، في دولة المؤسسات، المسار الطبيعي لحسم الخلافات حول الوقائع والتوصيفات والادعاءات، بعيدا عن المزايدات أو السجالات الشخصية.
وفي المقابل، فإن تقييم تجربة التدبير الجماعي بمكناس لا ينبغي أن يختزل في واقعة أو ملف واحد، كما لا يمكن أن يستند إلى صورة أو شهادة منفردة، وإنما يفترض قراءة شاملة لمسار العمل الجماعي ومؤشرات الأداء ومختلف الأوراش التي عرفتها المدينة. فقد انخرطت جماعة مكناس خلال الفترة الأخيرة في ملفات متعددة تهم تأهيل الشوارع والفضاءات الحضرية، وتقوية الإنارة العمومية، والعناية بالمجالات الخضراء، وتحسين خدمات النظافة، فضلا عن ملفات النقل الحضري وتأهيل الأحياء ناقصة التجهيز .
ويكتسي ملف النظافة تحديدا أهمية خاصة في هذا السياق، إذ إن الجماعة لم تتعامل معه باعتباره مجرد خدمة تقنية، وإنما دخلت أيضا في حوار مع شغيلة القطاع، حيث انعقد في بداية شتنبر اجتماع بحضور رئيس الجماعة وممثلي العمال والنقابة، وانتهى إلى محضر تضمن التزامات مرتبطة بتحسين ظروف العمل وتجويد الخدمات ومأسسة الحوار الاجتماعي، مع التأكيد على تتبع تنفيذ الالتزامات ذات الصلة بالقطاع.
وهذه المعطيات لا تعني أن قطاع النظافة أو البيئة بمدينة مكناس لا يعرف تحديات أو أن كل شيء يسير بصورة مثالية؛ فالموضوعية تقتضي الاعتراف بأن تدبير المدن الكبرى يظل مجالا معقدا، تتداخل فيه مسؤوليات الجماعة والشركات المفوض لها والسلطات والمصالح التقنية والبيئية وغيرها من المتدخلين. لكن الموضوعية نفسها تفرض ألا تتحول الاختلالات المحتملة إلى أحكام شاملة، وألا تُحمّل مؤسسة ما مسؤوليات لا تثبتها الوقائع أو النصوص أو التقارير التقنية.
ومن هذه الزاوية، فإن النقاش حول البيئة بمكناس يمكن أن يتحول من سجال إعلامي عابر إلى فرصة حقيقية لترسيخ ثقافة التقييم الموضوعي، عبر نشر المعطيات الدقيقة، وتحديد الاختصاصات، والاحتكام إلى نتائج المعاينات والخبرات والقياسات العلمية، وربط المسؤولية بالجهة المختصة فعلا.
أما السيد العباس الومغاري، فإن تثمين الجهود التي يبذلها على رأس جماعة مكناس لا يعني إعفاء التجربة من النقد أو المساءلة، وإنما يعني وضع هذا النقد في إطاره المؤسساتي والموضوعي. فالمسؤول المنتخب، كما يملك واجب تقديم الحساب عن تدبيره، يملك أيضا الحق في الدفاع عن المؤسسة التي يمثلها وعن المعطيات التي يرى أنها تعرضت للتحريف أو الخلط.
أكيد أن مكناس اليوم تحتاج إلى نقاش عمومي يرتكز على الوثيقة والمعطى الميداني والاختصاص القانوني، لا على الإثارة أو الخلط بين الملفات. وما يفرض نفسه، في نهاية المطاف، هو الاحتكام إلى الحقيقة كما تثبتها الوقائع والوثائق والمؤسسات المختصة.
وفي ختام هذا النقاش، يبقى من الإنصاف تثمين العمل الجبار الذي يبذله السيد العباس الومغاري، رئيس جماعة مكناس، من خلال حضوره الميداني المتواصل، وحرصه على تتبع الأوراش والملفات التنموية عن قرب، وانخراطه في معالجة الإكراهات التي تواجه المدينة بمنطق المسؤولية والمبادرة والوفاء بالالتزامات. وهي دينامية تدبيرية تستحق التقدير، لأنها تنطلق من خدمة مكناس وساكنتها، وتترجم إرادة واضحة في تحويل انتظارات المواطنين إلى أوراش ملموسة ومشاريع تستجيب لحاجات المدينة وتطلعاتها.


