أخبار مكناس 24 – عبداللطيف نبيه
تندرج معالجة ظاهرة احتلال الملك العام وتنظيم الأنشطة التجارية غير المهيكلة ضمن أعقد الرهانات التي تواجه الحكامة الحضرية المعاصرة ، بالنظر إلى ما تفرضه من ضرورة تحقيق توازن دقيق بين حماية النظام العام وصون السكينة وجمالية الفضاء الحضري ، وبين مراعاة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بمعيش فئات واسعة من المواطنين . وفي هذا السياق، تقدم تجربة حي المنصور بمدينة مكناس نموذجا ميدانيا جديرا بالقراءة ، بالنظر إلى التحول الذي عرفه الحي بعد سنوات من هيمنة مظاهر «السويقة» العشوائية، وما رافق ذلك من اكتظاظ وضوضاء واحتلال للملك العام ، حيث أفضت المقاربة المعتمدة إلى استعادة النظام والانسيابية وجمالية الفضاء المشترك.

ومن منظور سوسيولوجي وأمني متوازن، فإن قراءة الوضع الحالي بحي المنصور ، ولا سيما بمحيط مسجد النخلة والشوارع المجاورة، لا تستقيم بالاستناد إلى بعض التحركات الظرفية أو الحالات المعزولة التي قد تظهر من حين لآخر؛ ذلك أن مثل هذه المظاهر، متى وجدت، تظل في إطار الارتدادات الطبيعية لأي عملية لإعادة تنظيم فضاء ظل لسنوات خاضعا لأنماط من الاستغلال غير المهيكل، ولا تشكل، في حد ذاتها، دليلا على عودة «السويقة» أو تراجع سلطة القانون. فنجاح التدبير الحضري لا يقاس بلحظة عابرة، وإنما بمدى القدرة على تثبيت التحولات والحفاظ على المكتسبات ومنع إعادة إنتاج الاختلالات السابقة .
وفي هذا الإطار، تبرز بوضوح أهمية العمل الميداني الذي تضطلع به السلطات المحلية، وفي مقدمتها السيد قائد الملحقة الإدارية 19 في التتبع اليومي للوضع، ومواكبة تفاصيل الحياة العامة بالحي، والتدخل في الوقت المناسب كلما ظهرت مؤشرات تستدعي المعالجة. وقد أسهم هذا الحضور الترابي، القائم على اليقظة والاستباق والتواصل المباشر مع مختلف المتدخلين، في تحويل قرار إخلاء الفضاء العام من إجراء ظرفي إلى ورش متواصل لحماية المكتسبات وترسيخ احترام القانون. كما أن تفاعل قائد الملحقة مع انشغالات الساكنة والتجار والباعة، في حدود الاختصاصات والمسؤوليات القانونية، يعكس أهمية القرب الإداري في معالجة الإشكالات الحضرية المعقدة.
ولا ينفصل هذا الحضور الميداني عن مقاربة أوسع تقوم على الجمع بين الحزم في تطبيق القانون والانفتاح على الحلول الواقعية، وهو ما جعل عملية إعادة تنظيم الفضاء العام لا تختزل في منطق الإخلاء والمنع، وإنما تمتد إلى البحث عن بدائل أكثر تنظيما وكرامة لفائدة الباعة الجائلين. فاستيعاب البعد الاجتماعي للظاهرة يظل شرطا أساسيا لضمان استدامة أي تدخل عمومي، لأن القضاء على مظاهر الاحتلال العشوائي للملك العام لا يتحقق فقط بإزالة التجاوزات، بل كذلك بتهيئة شروط الاندماج التدريجي للأنشطة التجارية في الدورة الاقتصادية المنظمة.
ومن جهة أخرى، فإن المؤشرات الميدانية التي يعكسها الحي اليوم تكشف عن ارتياح ملموس لدى شريحة واسعة من الساكنة التي استعادت جزءا مهما من حقها في فضاء أكثر أمنا ونظافة وانسيابية، بعد سنوات من المعاناة مع الاكتظاظ والضوضاء وتراكم النفايات وصعوبة التنقل. كما أن انخراط عدد من الباعة في البدائل المقترحة يفتح إمكانية بناء معادلة جديدة لا تقوم على إقصاء هذه الفئة، وإنما على تنظيم نشاطها بما يحفظ كرامتها ويضمن في الوقت نفسه حقوق باقي مستعملي الفضاء العام.
وعليه، فإن تجربة حي المنصور بمكناس تبدو أقرب إلى مسار إصلاح حضري متدرج ومستمر منها إلى معالجة ظرفية قابلة للانتكاس؛ وهي تجربة تؤكد أن استعادة النظام في الفضاء العام تحتاج إلى قرار واضح، وحضور ميداني دائم، وتنسيق مؤسساتي، ووعي مجتمعي، وبدائل اجتماعية واقتصادية قابلة للاستمرار. وفي هذا السياق، فإن الجهود التي يبذلها السيد قائد الملحقة الإدارية 19 تستحق التثمين، ليس فقط من زاوية فرض النظام، وإنما أيضا من زاوية حماية المكتسبات ومواصلة اليقظة والتفاعل مع التحولات اليومية التي يعرفها الحي.
فالرهان اليوم لم يعد مجرد إخلاء «السويقة» العشوائية، وإنما تثبيت واقع حضري جديد، قوامه احترام القانون، وصون الملك العام، وتحقيق التوازن بين النظام والبعد الاجتماعي .
وفي ضوء هذه المعطيات ، تظل الإشادة والتثمين مستحقين للسلطات المحلية على ما أبانت عنه من قدرة على مواكبة التحولات التي يعرفها حي المنصور ، وتحويل معالجة وضعية معقدة إلى مسار أكثر انتظاما وتوازنا . كما أن الجهود التي يبذلها السيد قائد الملحقة الإدارية 19 تؤكد أن التدبير الترابي الفعال يقاس بقدرته على إنتاج نتائج ملموسة والحفاظ عليها، بما يعزز جودة عيش الساكنة ويكرس الثقة في المؤسسات.


