أخبار مكناس 24 – هيئة التحرير
لم يعد تدبير الهجرة في العلاقات الدولية المعاصرة مجرد ملف تقني يرتبط بضبط الحدود ومراقبة تدفقات المهاجرين، بل أصبح قضية استراتيجية تتداخل فيها اعتبارات السيادة الوطنية والأمن الإقليمي والالتزامات القانونية والحقوق الإنسانية، فضلا عن رهانات التنمية والاستقرار . ومن هذا المنظور، تكتسب مضامين الخطاب الملكي السامي الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، إلى البرلمان يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، أهمية خاصة، بالنظر إلى ما تحمله من توجه واضح نحو مراجعة النموذج القائم للتعاون في مجال الهجرة، والانتقال به من التدبير الظرفي للأزمات إلى شراكة استراتيجية أكثر توازنا ووضوحا في المسؤوليات والالتزامات .
وتتمثل الدلالة المركزية في الخطاب الملكي السامي في الربط بين المكانة الدولية التي رسخها المغرب كشريك مسؤول وموثوق، وبين ضرورة احترام مبدأ المعاملة بالمثل في العلاقات الدولية. فوفاء المملكة المغربية بالتزاماتها لا ينفصل عن انتظار التزام شركائها بمسؤولياتهم، كما أن الثقة المتبادلة لا يمكن أن تستمر في ظل اختلال توازن الأعباء أو اعتماد مقاربات أحادية في معالجة القضايا المشتركة . وبذلك ، يضع جلالة الملك أساسا واضحا لتطوير الشراكات، قوامه الاحترام المتبادل، والتقاسم العادل للمسؤوليات، والابتعاد عن كل ما من شأنه تحويل التعاون إلى مجال للضغط السياسي.
وفي هذا السياق، يبرز ملف الهجرة باعتباره اختبارا حقيقيا لمدى جدية الشراكات الدولية وقدرتها على الانتقال من الالتزامات المعلنة إلى الممارسة الفعلية. فقد اعتمد المغرب مقاربة متعددة الأبعاد في تدبير هذه الظاهرة، تجمع بين الأبعاد الأمنية والإنسانية ومتطلبات التعاون الدولي. غير أن التحولات المتسارعة التي تعرفها مسارات الهجرة، وتنامي أنشطة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، يكشفان عن محدودية النموذج التقليدي للتعاون، ويفرضان مراجعة أدواته وآليات اشتغاله بما يضمن استجابة أكثر فعالية للتحديات المستجدة.
ومن هنا، فإن وصف النموذج الحالي للتعاون بأنه أصبح متجاوزا لا يعني التخلي عن التعاون الدولي ، بل يؤكد الحاجة إلى إعادة بنائه على أسس أكثر فعالية وتوازنا . فمعالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تظل مسؤولية يتحملها بلد العبور بمفرده، وإنما تقتضي تنسيقا مستمرا بين بلدان الانطلاق والعبور والاستقبال، وتعاونا أمنيا وقضائيا أكثر نجاعة، إلى جانب سياسات تنموية تعالج الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بعض الأشخاص إلى سلوك مسارات الهجرة الخطرة.
وتتضح أبعاد هذه الرؤية في الإشارة إلى الشراكة المغربية الإسبانية ، التي عرفت تطورا في مجالات متعددة، من بينها التعاون في مواجهة الهجرة غير النظامية. غير أن استمرار التحديات المرتبطة ببعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية يطرح ضرورة تعزيز الانسجام بين الالتزامات المتبادلة والإجراءات المعتمدة في تدبير هذا الملف، مع احترام الاختصاصات المؤسساتية والضمانات القانونية ذات الصلة.
ويظل الحد من استغلال الثغرات القانونية والمساطر من طرف الشبكات الإجرامية رهينا بتطوير التنسيق بين السلطات المختصة، و مراجعة بعض القوانين المرتبطة بالهجرة الغير النظامية،
وتعزيز التعاون القضائي وتبادل المعلومات . وهو رهان يتطلب إرادة سياسية مشتركة، وإطارا قانونيا واضحا، وتقاسما فعليا للمسؤوليات، حتى لا تتحول الاختلافات التشريعية أو الإجرائية إلى منافذ تستغلها الشبكات الإجرامية، أو إلى مصادر متكررة للتوتر بين الشركاء.
غير أن الرسالة الأبرز في الخطاب الملكي السامي تتجاوز الجوانب التقنية والقانونية لتدبير الهجرة، لتلامس جوهر العلاقات بين المغرب وشركائه. فتأكيد جلالة الملك نصره الله، أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، وأنها لن تكون أبدا موضوع ضغط أو تهديد أو ابتزاز، يحمل دلالة سياسية واضحة، مفادها أن التعاون بين الدول لا يمكن أن يقوم على منطق الإملاءات، ولا أن يستمر في ظل محاولات التأثير في القرار السيادي أو إخضاع المصالح المشتركة لحسابات ظرفية.
و إن المغرب، من خلال هذا الموقف، لا يرفض التعاون ولا يتنصل من التزاماته الدولية، بل يؤكد أن الشراكة الحقيقية لا تستقيم إلا بإرادة متبادلة واحترام متكافئ للمصالح والالتزامات. فالسيادة الوطنية ليست نقيضا للتعاون، كما أن الانفتاح على الشركاء لا يعني القبول بممارسات تنتقص من استقلالية القرار الوطني أو تحاول تحويل الملفات المشتركة إلى أدوات للضغط والمساومة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الموقف المغربي الرافض لسياسة التهديد والابتزاز والمزايدات السياسية والإعلامية التي تلجأ إليها بعض الأوساط في سياق توظيف ملف الهجرة. فالقضايا الاستراتيجية لا يمكن أن تدار بمنطق التصعيد أو استثمار المخاوف المجتمعية لتحقيق مكاسب ظرفية أو انتخابوية، كما لا يمكن بناء الثقة بين الدول من خلال حملات التشكيك أو تحميل طرف واحد مسؤولية ظاهرة ذات أسباب وامتدادات متعددة.
و المزايدات السياسية والإعلامية، حين تحل محل الحوار المسؤول والتقييم الموضوعي، لا تسهم في معالجة إشكالية الهجرة، بل قد تزيد من تعقيدها وتؤثر في مناخ الثقة الضروري لاستمرار التعاون. كما أن توظيف هذا الملف في الصراعات السياسية الداخلية لبعض البلدان قد يحول قضية تتطلب التنسيق والتكامل إلى أداة للاستقطاب والمساومة، بما ينعكس سلبا على المصالح المشتركة. لذلك، فإن الموقف الذي يعبر عنه الخطاب الملكي السامي يؤكد ضرورة الاحتكام إلى منطق الشراكة المسؤولة، والابتعاد عن الضغوط الظرفية، وتدبير الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية والمؤسساتية، بما يحفظ مصالح الأطراف ويصون استقرار علاقاتها.
ولا ينحصر هذا المبدأ في العلاقات المغربية الإسبانية، بل يندرج ضمن تصور أوسع للشراكات الدولية التي يسعى المغرب إلى تطويرها. فالمملكة، وهي تعزز حضورها الإقليمي والدولي، تؤكد أن موثوقية الشريك لا تقاس فقط بمدى استعداده للوفاء بالتزاماته، وإنما أيضا بقدرته على احترام سيادة الطرف الآخر، والالتزام بقواعد الحوار المتكافئ، والامتناع عن توظيف المصالح المشتركة وسيلة للضغط السياسي. فالشراكة المتوازنة لا تعني غياب الاختلافات، وإنما تعني القدرة على تدبيرها بالحوار والاحترام المتبادل، بعيدا عن التهديد أو الابتزاز أو محاولات فرض الأمر الواقع.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الإشارة الملكية إلى إعداد المغرب وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية أهمية خاصة، باعتبارها مؤشرا على التوجه نحو إعادة تأطير التعاون مع الشركاء ضمن تصور متكامل يجمع بين التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. فالمطلوب لم يعد مجرد تدبير الأزمات المرتبطة بالهجرة، بل بناء إطار للتعاون يحدد الأولويات والمسؤوليات، ويعزز التنسيق، ويربط الالتزامات بنتائج قابلة للتقييم.
كما أن إدراج التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي ضمن هذه الرؤية يعكس إدراكا لترابط الملفات الدولية. فالهجرة لا يمكن معالجتها من خلال المقاربات الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى توسيع فرص الاستثمار والتشغيل والتكوين، وتعزيز التعاون الاقتصادي، ودعم المبادرات التنموية بما يسهم في معالجة بعض العوامل التي تدفع إلى الهجرة غير النظامية. ومن شأن هذا التكامل بين الأبعاد الأمنية والاقتصادية والتنموية أن يمنح الشراكات الدولية قدرة أكبر على معالجة الأسباب والحد من التداعيات .
أكيد أن الخطاب الملكي السامي يضع تدبير الهجرة في سياق إعادة بناء العلاقات مع الشركاء على أسس أكثر وضوحا وتوازنا، ويؤكد أن المغرب متمسك بالتعاون الدولي، لكنه يرفض أن يتحول هذا التعاون إلى وسيلة للضغط أو التهديد أو الابتزاز أو المزايدات السياسية والإعلامية. إنها رسالة واضحة مفادها أن الشراكة ليست امتيازا يمنحه طرف لطرف آخر، ولا التزاما أحادي الجانب، بل اختيار متبادل تحكمه السيادة والاحترام والثقة وتقاسم المسؤوليات.
وبذلك، يرسم جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ملامح مرحلة جديدة في تدبير العلاقات مع الشركاء، قوامها الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى بناء الحلول المستدامة، ومن اختلال المسؤوليات إلى توازن المصالح، ومن الضغوط الظرفية إلى التعاون المؤسساتي المسؤول. وهي مقاربة تؤكد أن المغرب، بقدر انفتاحه على شراكاته الدولية وحرصه على الوفاء بالتزاماته، يتمسك بحقه في حماية سيادته وصون مصالحه الوطنية، انطلاقا من قناعة راسخة بأن التعاون الحقيقي لا يفرض بالإكراه، ولا يبنى بالتهديد والابتزاز، وإنما يقوم على الإرادة المتبادلة والاحترام المتكافئ والتنمية المشتركة.

