لم تكن مراسيم الاحتفال بالذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، والذكرى الأولى لعيد الوحدة، بمدينة مكناس، يوم الجمعة 6 نونبر 2026، مجرد مناسبة لاستحضار محطات وطنية خالدة في الذاكرة الجماعية للمغاربة، بل شكلت أيضا محطة للإعلان عن مرحلة جديدة في مسار معالجة واحدة من أبرز الإشكالات التي تستأثر باهتمام الساكنة وتطرح تحديات متواصلة أمام تدبير الشأن المحلي، ويتعلق الأمر بقطاع النظافة وجمع النفايات المنزلية والمماثلة وتدبير المشهد الحضري.
وفي هذا السياق، أشرف السيد عبد الغني الصبار، عامل عمالة مكناس، على إطلاق وتدشين المرحلة الجديدة لخدمة التدبير المفوض لقطاع النفايات المنزلية والمماثلة بجماعة مكناس، في إطار العقد الجديد الذي يجمع الجماعة بشركة «ميكومار البيئة»، وذلك بحضور السيد العباس الومغاري، رئيس مجلس جماعة مكناس، وعدد من المسؤولين والمنتخبين ورؤساء المصالح الخارجية وممثلي السلطات المحلية، في تجسيد واضح لأهمية التنسيق المؤسساتي وتكامل الأدوار في مواجهة الإكراهات المرتبطة بهذا المرفق الحيوي.
وتكتسي هذه الانطلاقة أهمية تتجاوز بعدها الاحتفالي واللوجستيكي، بالنظر إلى ما تحمله من توجه نحو تعزيز وسائل التدخل الميداني، وتطوير منظومة جمع النفايات، والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، بما يستجيب لتطلعات ساكنة العاصمة الإسماعيلية وانتظاراتها بشأن نظافة الفضاءات العمومية وجاذبيتها. كما أن اعتماد شعار «التميز العملي: ما وراء التطلعات» يعكس التوجه نحو الانتقال من مجرد توفير الإمكانات والوسائل إلى تحقيق نتائج ميدانية ملموسة في تدبير هذا القطاع.
وتبرز أهمية هذه المبادرة، على وجه الخصوص، في سياق الجهود التي يبذلها السيد العباس الومغاري، رئيس مجلس جماعة مكناس، من أجل الدفع بملف النظافة نحو معالجة أكثر نجاعة وفعالية، من خلال تعبئة الإمكانات المتاحة، وتعزيز التنسيق مع مختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم السيد عامل عمالة مكناس، بما يعكس أهمية الالتقائية بين السلطات الترابية والمؤسسة المنتخبة في مواجهة الإشكالات المرتبطة بتدبير المرافق والخدمات الأساسية. وهي دينامية تتجسد اليوم في إطلاق عقد جديد للتدبير المفوض، يمتد وفق المعطيات المعلنة من يناير 2026 إلى دجنبر 2033، بما يوفر إطارا تدبيريا لتطوير الخدمة وتقييم مردوديتها.
وتعكس المعطيات المالية والاستثمارية المرتبطة بهذا العقد حجم الرهانات المطروحة، حيث يتضمن البرنامج استثمارات إجمالية تناهز 94.965 مليون درهم دون احتساب الرسوم، مع تخصيص أكثر من 31.14 مليون درهم خلال السنة الأولى، بهدف توفير التجهيزات والوسائل الضرورية لتعزيز البنية التحتية اللوجستيكية للقطاع. وتمثل هذه الاستثمارات رافعة مهمة لتحديث منظومة النظافة ومواكبة التوسع الحضري وتزايد حاجيات الساكنة، شريطة أن تقترن بحكامة في التدبير وفعالية في التنفيذ ومراقبة مستمرة لمستوى الخدمات.
ولا يمكن اختزال معالجة إشكالية النظافة في توفير الآليات والمعدات، مهما بلغت أهميتها، وإنما تستدعي كما يؤكد على ذلك مرارا السيد العباس الومغاري ، رؤية تدبيرية متكاملة تقوم على تشخيص مكامن الخلل،
وتجويد منظومة جمع النفايات، وتحسين توزيع الموارد البشرية واللوجستيكية، وتعزيز المراقبة والتتبع، فضلا عن ضمان انتظام التدخلات بمختلف أحياء المدينة.
ومن هذا المنطلق، تكتسي الموارد البشرية أهمية مركزية ضمن المنظومة الجديدة، التي تعتمد على تعبئة 553 عاملا دائما، إلى جانب تعزيزات موسمية تصل إلى 40 عاملا إضافيا، بما يوفر طاقة بشرية مهمة لتأطير عمليات الجمع والكنس والنظافة والتدخلات الميدانية. ويستأثر أعوان الكنس والنظافة بنسبة 54 في المائة من مجموع الموارد البشرية، وهو ما يبرز المكانة المحورية للعمل الميداني في إنجاح هذه المنظومة، باعتباره الحلقة الأساسية التي تتحول من خلالها البرامج والتجهيزات إلى خدمات فعلية يستفيد منها المواطنون.
وعلى المستوى اللوجستيكي، يتضمن البرنامج أسطولا يضم 30 شاحنة ثقيلة لجمع النفايات، بسعة إجمالية تصل إلى 408 أمتار مكعبة، فضلا عن نشر أكثر من 3800 حاوية بمختلف السعات والأنواع، تشمل الحاويات البلاستيكية عالية الكثافة والمعدنية، إلى جانب الحاويات السفلية المطمورة والنقاط النظيفة المجهزة.
وتمثل هذه التجهيزات إضافة نوعية للإمكانات التشغيلية، من شأنها تحسين شروط جمع النفايات وتوزيع الحاويات وتطوير عمليات التدخل، بما يقتضي اعتماد تخطيط مجالي دقيق يراعي الكثافة السكانية والامتداد العمراني وخصوصية مختلف الأحياء والمناطق.
وتكتسب هذه الأرقام دلالتها بالنظر إلى حجم المجال السكاني المستهدف، إذ تسعى المنظومة الجديدة إلى تغطية منطقة حمرية والزيتونة، التي يتجاوز عدد سكانها 449 ألف نسمة، مع معالجة كميات مهمة من النفايات المنزلية والمماثلة. وهو ما يجعل الرهان المطروح أكبر من مجرد تحديث أسطول الآليات، ليرتبط بمدى قدرة الشركة المفوض لها على ضمان التغطية المنتظمة، واحترام التزاماتها التعاقدية، وتحقيق التوازن في توزيع الخدمات، بما يضمن استفادة مختلف الأحياء من منظومة النظافة دون تفاوت أو إقصاء.
ولا تقف ملامح التحديث عند حدود التجهيزات الميكانيكية والموارد البشرية، بل تمتد إلى إدماج البعد البيئي والتكنولوجي في تدبير القطاع، من خلال اعتماد وسائل تنقل خضراء، تشمل الدراجات ثلاثية العجلات والكاسحات والشفاطات الكهربائية الصامتة والصديقة للبيئة، المخصصة أساسا للأزقة والساحات والفضاءات التاريخية التي تتطلب وسائل تدخل تتلاءم مع خصوصيتها العمرانية. كما يتجه البرنامج إلى ربط الأسطول بمركز للتحكم الرقمي، واعتماد تطبيق «المدينة الذكية» لتتبع عمليات التدخل عبر الخرائط والتأطير الجغرافي الرقمي، فضلا عن إحداث رقم أخضر لتلقي شكايات المواطنين ومعالجتها، بما يعزز إمكانات التتبع والتفاعل مع حاجيات الساكنة، ويتيح الانتقال التدريجي من التدبير التقليدي إلى التدبير الرقمي القائم على المعطيات والنجاعة وسرعة الاستجابة.
ومن جهة أخرى، فإن الخصوصية الاقتصادية والسياحية والثقافية لمدينة مكناس تفرض استحضار متطلبات التغطية البيئية خلال المناسبات الكبرى والتظاهرات التي تحتضنها العاصمة الإسماعيلية، وفي مقدمتها المعرض الدولي للفلاحة بالمغرب (SIAM)، الذي يستقطب أعدادا كبيرة من الزوار والمهنيين والوفود. وفي هذا الإطار، يتضمن البرنامج مخططا خاصا للتغطية البيئية خلال فترة المعرض يمتد لشهرين، مع تعبئة 60 عاملا إضافيا وعلى مدار الساعة وطيلة أيام الأسبوع، إلى جانب تخصيص غلاف مالي سنوي يناهز 430 ألف درهم لحملات التحسيس والتواصل المواطني، بما فيها العمليات المرتبطة بمناسبة عيد الأضحى المبارك. وهي إجراءات تبرز أهمية ملاءمة منظومة النظافة مع الخصوصيات الموسمية والمجالية للمدينة، وعدم الاقتصار على التدبير اليومي الاعتيادي.
ولا شك أن التنسيق بين السيد عامل عمالة مكناس والسيد رئيس الجماعة يجسد وجها من أوجه الحكامة الترابية القائمة على تكامل الأدوار وتوحيد الجهود، باعتبار أن الارتقاء بالخدمات المحلية مسؤولية مشتركة تتطلب تجاوز المقاربات القطاعية المنعزلة، واعتماد منطق العمل المؤسساتي القائم على الالتقائية والتعاون والتفاعل الإيجابي مع انتظارات المواطنين. وهي مقاربة تكتسي أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بقطاع يرتبط بصورة المدينة وجاذبيتها، وبالصحة العامة والبيئة الحضرية والكرامة اليومية للساكنة، فضلا عن انعكاساته المباشرة على جاذبيتها الاستثمارية والسياحية.
وفي هذا السياق، تكتسب التصريحات التي أدلى بها السيد العباس الومغاري، رئيس مجلس جماعة مكناس، لموقع «أخبار مكناس 24»، أهمية خاصة، باعتبارها تؤكد توجه المجلس الجماعي نحو اعتماد مقاربات رقمية ولوجستيكية حديثة، وتعزيز البنية التحتية البيئية، بما يساهم في تحسين إطار عيش الساكنة ومواكبة المكانة التاريخية والتنموية للعاصمة الإسماعيلية. وهو توجه يبرز حرص رئاسة المجلس على جعل ملف النظافة ضمن أولويات التدبير الجماعي، والانتقال به من معالجة الإكراهات اليومية إلى بناء منظومة خدمات أكثر انتظاما وفعالية واستدامة.
وإذا كانت الآليات الجديدة والموارد البشرية والاستثمارات المرصودة تمثل إضافة نوعية إلى الإمكانات المتاحة لتدبير القطاع، فإن الرهان الحقيقي بالنسبة للسيد الومغاري يظل مرتبطا بمدى انعكاسها على الواقع اليومي للأحياء والشوارع والساحات، وعلى قدرة المنظومة الجديدة على تحقيق تحسن ملموس ومستدام في مستوى النظافة. فالساكنة بانسبة لىسيد رئيس الجماعة لا تنتظر فقط تحديث أسطول الآليات أو الإعلان عن برامج استثمارية، وإنما تتطلع إلى نتائج ميدانية قابلة للمعاينة والقياس، وإلى خدمة عمومية منتظمة تستجيب لحاجيات مختلف المجالات الحضرية دون تمييز. ومن هنا، يبرز حرص مجلس جماعة مكناس، برئاسة السيد العباس الومغاري، على مواكبة تنفيذ الالتزامات التعاقدية، وضمان التتبع والتقييم والمراقبة، بما يكفل تحويل الإمكانات المرصودة إلى قيمة مضافة حقيقية في الحياة اليومية للمواطنين.
كما أن نجاح هذه المنظومة يظل رهينا حسب السيد الومغاري بمدى إرساء آليات دقيقة لتقييم الأداء، وتحديد المسؤوليات، ومراقبة احترام دفتر التحملات، وقياس مؤشرات جودة الخدمات وانتظامها، إلى جانب الانفتاح على مساهمة المجتمع المدني والمواطنين في المحافظة على نظافة المدينة. فالنظافة بالنسبة للسيد العباس الومغاري شأن جماعي تتقاطع فيه مسؤولية المؤسسات مع المواطنة البيئية والسلوك المدني، ولا يمكن تحقيق أهدافه بصورة مستدامة دون ترسيخ ثقافة المحافظة على الفضاءات المشتركة، وتعزيز الوعي بأهمية احترام البيئة الحضرية.
أكيد أن مكناس، بما تختزنه من رصيد تاريخي وحضاري ومكانة ضمن المدن المغربية العريقة، تستحق بالنسبة للسيد الومغاربي منظومة خدمات حضرية توازي قيمتها الرمزية ومؤهلاتها التنموية. ولذلك، فإن إطلاق هذا العقد الجديد بما يتضمنه من استثمارات وتجهيزات وموارد بشرية وآليات رقمية وبيئية، وما يواكبه من تنسيق بين السيد عامل العمالة والسيد رئيس الجماعة، يمثل محطة مهمة في مسار تطوير تدبير قطاع النظافة، ويضع مختلف المتدخلين أمام مسؤولية ترجمة الالتزامات والبرامج المعلنة إلى نتائج ملموسة ومستدامة. فالمعيار الحقيقي لنجاح هذه المبادرة لن يكون حجم الإمكانات المرصودة وحده، وإنما قدرتها على إحداث تحول فعلي في جودة الخدمات والارتقاء بالمشهد الحضري والاستجابة لانتظارات الساكنة.
وهكذا، فإن دلالة الاحتفاء بالذكرى الأولى لعيد الوحدة والذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء لا تقف عند استحضار قيم التعبئة الوطنية والتلاحم بين العرش والشعب، بل تمتد أيضا إلى استلهام روح المبادرة والعمل الجماعي في خدمة قضايا التنمية المحلية. فكما شكلت المسيرة الخضراء نموذجا تاريخيا لقوة الإرادة الجماعية، تظل تعبئة مختلف المؤسسات والفعاليات، وتنسيق جهودها من أجل نظافة مكناس وتأهيل فضائها الحضري، مدخلا أساسيا لترسيخ الثقة في العمل المؤسساتي، والاستجابة لانتظارات الساكنة، وجعل جودة الحياة عنوانا مركزيا لمسار التنمية بالعاصمة الإسماعيلية.

