تعد قضية تدبير فئة الكلاب المصنفة “خطيرة” وتنامي ظاهرة الكلاب الضالة في الفضاءات العامة من بين أكثر القضايا تعقيداً في النقاش العمومي المعاصر. فهذه الإشكالية لم تعد مجرد حوادث معزولة، بل أصبحت تعكس تداخلاً عميقاً بين نصوص التشريع، ومقتضيات السلامة الصحية، ومسؤوليات تدبير الشأن المحلي.
المقاربة القانونية: من الحيازة إلى المسؤولية التقصيرية
يستند الإطار التشريعي المنظم لهذا المجال (كالقانون رقم 56.12) إلى مبدأ “الوقاية والزجر”. فالقانون لا ينظر إلى الحيوان ككائن حي فحسب، بل كـ “مصدر خطر مفترض” يضع صاحبه تحت طائلة المسؤولية القانونية بمجرد امتلاكه.
- المسؤولية المدنية والجنائية: يتحمل “حارس الحيوان” مسؤولية التعويض عن الأضرار التي يلحقها الحيوان بالغير. وتتحقق المسؤولية الجنائية في حالات الإهمال الواضح أو عدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة، حيث تكيّف الأفعال كجنح قد تصل عقوبتها إلى الحبس والغرامة، خاصة إذا أدت إلى عجز مستديم أو وفاة.
- منع السلالات الشرسة: يصنف القانون سلالات معينة يُمنع تملكها أو بيعها بناءً على خصائصها المرفولوجية وطباعها الشرسة، مما يجعل مجرد حيازتها مخالفة تستوجب المصادرة القانونية.
التحليل الطبي: الطبيعة الفيزيولوجية للإصابة ومضاعفاتها
من الناحية الطبية، تختلف هجمات الكلاب عن الجروح العادية بكونها “إصابات مركبة” تجمع بين تهتك الأنسجة وخطر التلوث البكتيري العميق.
- الصدمة الرضحية والخطر الميكروبي: تتميز فصائل الكلاب القوية بفكوك قادرة على سحق العظام وتلف الأعصاب. كما يشكل لعابها بيئة حاضنة لفيروسات فتاكة مثل “داء الكلب” (Rabies) وبكتيريا “التيتانوس”، مما يجعل التدخل الطبي الاستعجالي ضرورة حتمية لإنقاذ الحياة.
- الفئات الهشة: يمثل الأطفال وكبار السن الفئة الأكثر عرضة لهذه الهجمات، وغالباً ما تخلف هذه الحوادث آثاراً نفسية واضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) يصعب تجاوزها على المدى القريب.
دور الجماعات المحلية: الرقابة الصحية وتدبير الفضاء العام
تضع القوانين التنظيمية مسؤولية الحفاظ على الصحة العامة والسكينة داخل الأحياء على عاتق المجالس الجماعية والسلطات المحلية، ويتجلى دورها في محاور أساسية:
- فرض المتابعة الطبية: تعتبر المكاتب الجماعية لحفظ الصحة الجهة المسؤولة عن تتبع الحالة الصحية للحيوانات الأليفة. ويعد “الكناش الطبي” وثيقة إلزامية لإثبات خضوع الحيوان للتلقيحات. فالكلاب التي تفتقر للمتابعة الطبية تصنف كخطر وبائي محتمل يخول للسلطات حق الحجز والتحفظ.
- مكافحة الكلاب الضالة: يقع على عاتق الجماعات تدبير ظاهرة الكلاب المشردة عبر استراتيجيات حديثة تشمل الإمساك والتعقيم والتلقيح (TNVR)، وهي مقاربة تهدف إلى الحد من التكاثر العشوائي وضمان خلو الفضاء العام من الحيوانات الحاملة للأمراض المعدية.
- الشرطة الإدارية وتنظيم الحيازة: تفعيل دور الشرطة الإدارية في مراقبة الالتزام بارتداء “الكمامات” والقيود في الأماكن العامة هو حجر الزاوية في الحد من الحوادث. إن غياب الرقابة الميدانية على أصحاب الكلاب الذين لا يحترمون المعايير الوقائية يفرغ النصوص القانونية من محتواها.
في الأخير إن معالجة ملف الكلاب الخطيرة والضالة تتطلب مقاربة شمولية؛ تبدأ من صرامة المالك في تحمل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية، ومروراً باليقظة الطبية، وصولاً إلى نجاعة الجماعات المحلية في تفعيل أدوارها الرقابية والصحية. إن أمن المواطن في الفضاء العام هو الغاية الأسمى التي لا تقبل التجزئة بين هذه المتدخلين.
