عرف ملف الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة تحولا ملحوظا في مقاربته داخل دوائر القرار الدولية ، لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث لم يعد يعالج باعتباره نزاعا إقليميا تقليديا قابلا للإدارة الدبلوماسية ، بل أضحى يُستحضر ضمن منظومة أوسع مرتبطة بالأمن الإقليمي ومكافحة التهديدات العابرة للحدود . ويعكس النقاش المتزايد حول إدراج جبهة البوليساريو ضمن لوائح التنظيمات الإرهابية هذا الانتقال من منطق الوساطة السياسية إلى منطق المساءلة الأمنية .
ويأتي هذا التحول في سياق دولي يتسم بتراجع منظومات الدعم التقليدية التي كان يستند إليها النظام الجزائري ، مع السقوط المتسارع لحلفائه الإيديولوجيين والجيوسياسيين، وعلى رأسهم نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا ، الذي أضحى نموذجا للأنظمة المعزولة والمثقلة بالعقوبات . ويعكس هذا التراجع تفكك محور دولي كان يوظف النزاعات الإقليمية كأدوات ضغط رمزي دون امتلاك مقومات الاستدامة السياسية أو الاقتصادية .
وتجد المقاربة الأمنية الجديدة مبرراتها في التحولات العميقة التي عرفتها البيئة الجيوأمنية لمنطقة الساحل وشمال إفريقيا ، حيث تداخلت النزاعات المجمدة مع شبكات التهريب والجماعات المتطرفة والاقتصادات غير المشروعة . وفي هذا السياق ، لم يعد من الممكن فصل الطابع العسكري لمخيمات تندوف وغياب الإطار القانوني الشفاف لوضعية ساكنتها عن المخاوف المتزايدة من تحول هذه الفضاءات إلى مناطق رمادية قابلة للاختراق من قبل فواعل لادولتية عنيفة ، وهو ما أعاد توصيف البوليساريو كفاعل هجين ذي حمولة أمنية متنامية.
ويترتب عن أي تصنيف إرهابي محتمل أثر قانوني يتجاوز التنظيم ذاته ليشمل الأطراف الداعمة له ، وفق منطق مساءلة الدولة الحاضنة المعتمد في الممارسات الدولية لمكافحة الإرهاب . وفي هذا الإطار ، يبرز النظام الجزائري بوصفه فاعلا لا يمكن فصله عن البنية التنظيمية والعسكرية الإرهابية للبوليساريو ، بما يفتح المجال أمام تفعيل آليات الردع القانونية والاقتصادية ، خاصة في ظل تآكل شبكة تحالفاته الدولية وانكماش هامش مناورة خطابه الدبلوماسي .
ويتقاطع هذا المسار مع إعادة تموقع المغرب كحليف استراتيجي في المقاربة الأمريكية للأمن الإقليمي ، بالنظر إلى أدواره في الاستقرار ، ومحاربة التطرف ، وتأمين الفضاء الجيوسياسي الرابط بين إفريقيا والمتوسط والمجال الأطلسي . ويعكس هذا التموقع تحولا في منطق الشراكات الدولية ، التي باتت تقوم على معيار الاستقرار والالتزام الأمني بدل التوازنات الإيديولوجية .
وعليه ، فإن تصنيف البوليساريو كتنظيم إرهابي ، وما قد يترتب عنه من مساءلة محتملة للنظام الجزائري ، لا يمكن اختزاله في كونه إجراء ظرفيا، بل ينبغي فهمه ضمن تحول بنيوي أعمق في إدراك طبيعة التهديدات وإعادة ترتيب الأولويات والتحالفات في شمال إفريقيا ، بما يؤشر على نهاية مقاربات الماضي وبروز منطق جديد قوامه الأمن والاستقرار والمساءلة .




