يكتسب حضور وفد من مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي (FBI) بالمغرب دلالة تتجاوز الطابع البروتوكولي ، إذ يندرج ضمن مقاربة استباقية تعتمدها الولايات المتحدة في تدبير المخاطر الأمنية المصاحبة لتنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، وعلى رأسها نهائيات كأس العالم 2026 التي ستقام بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك . ويأتي هذا الحضور في سياق دولي تتعاظم فيه رهانات الأمن الرياضي ، باعتباره مجالا يتقاطع فيه التنظيم الجماهيري، وإدارة الحشود، والوقاية من العنف ، وحماية البنى التحتية الحيوية .
وقد شكل المغرب ، بما راكمه من خبرة عملية في تأمين المباريات الدولية والبطولات القارية ، فضاء ملائمًا للدراسة الميدانية، حيث تابع الوفد الأمريكي عددا من المباريات الدولية التي احتضنتها الملاعب المغربية، ووقف عن كثب على آليات التنسيق بين مختلف المتدخلين ، وعلى النماذج المعتمدة في ضبط سلوك الجماهير قبل وأثناء وبعد المباريات. ولم يقتصر هذا التتبع على الجوانب التنظيمية الصرفة ، بل شمل تحليل ديناميات التفاعل الجماهيري، وأنماط الاستجابة الأمنية للحالات الاستثنائية .
وفي هذا الإطار ، تم تسجيل ملاحظات تتعلق بسلوك بعض الجماهير خلال مباريات معينة ، خاصة تلك التي شهدت محاولات خرق للنظام العام أو تجاوزًا للقواعد التنظيمية داخل الفضاءات الرياضية . وتندرج هذه الملاحظات ضمن منهجية تقييمية تعتمد على تجميع المعطيات وتحليلها، لا بغرض الإدانة المباشرة ، بل في إطار بناء قواعد بيانات تساعد على الاستشراف والوقاية خلال المواعيد الرياضية الكبرى المقبلة .
وتشير معطيات إعلامية إلى أن هذه المؤشرات السلوكية يتم إدماجها ضمن منظومات تقنية معتمدة دوليًا، من قبيل نظام “ FAN ID ”، الذي يهدف إلى تتبع الأفراد المتورطين في أعمال عنف أو شغب رياضي ، وتمكين الدول المنظمة من اتخاذ تدابير احترازية ، قد تصل إلى تقييد الولوج إلى أراضيها خلال فترات تنظيم التظاهرات الكبرى ، بصرف النظر عن جنسية المعنيين أو بلد إقامتهم.
وفي السياق نفسه ، تبرز مسألة التشدد في شروط دخول بعض الجماهير إلى الولايات المتحدة ، سواء عبر متطلبات مالية مرتفعة أو مساطر تدقيق إضافية ، باعتبارها جزءًا من سياسة أمنية شاملة تسعى إلى تقليص المخاطر المحتملة المرتبطة بتدفق جماهيري واسع وعابر للحدود . كما ينتظر أن تلعب تقارير اللجان المنظمة للتظاهرات القارية والدولية ، إلى جانب خلاصات الأجهزة الأمنية الدولية، دورًا محوريًا في توجيه القرارات ذات الصلة بتدبير الجماهير خلال كأس العالم 2026.
وعليه ، فإن هذا الحضور الأمني الأمريكي في المغرب يعكس انتقال الأمن الرياضي من منطق التدبير المحلي إلى أفق التعاون الدولي وتبادل الخبرات، ويؤكد في الآن ذاته المكانة التي بات يحتلها النموذج المغربي في هذا المجال ، باعتباره تجربة عملية تستدعي الدراسة والاستفادة في سياق التحضير لأكبر تظاهرة كروية عالمية .




