أخبار مكناس24 // هيئة التحرير
تشهد منظومة تدبير الموارد البشرية داخل الجماعات الترابية تحوّلا لافتا بعد اتخاذ وزارة الداخلية قرارا عمليا بسحب صلاحية الإشراف على الترقيات وامتحانات الكفاءة المهنية من رؤساء الجماعات، في خطوة تعكس تزايد المخاوف من اختلالات أثرت في مسار الموظفين وفي مصداقية آليات التقييم والترسيم. ويأتي هذا التوجه عقب سلسلة من الشكايات النقابية التي رفعتها فئات واسعة من الموظفين، تتهم بعض المسؤولين المحليين بالتلاعب في لوائح الترقية وإقصاء من استوفوا الشروط القانونية، ما اعتبر إخلالا بقاعدة الإنصاف وتهديدا لمبدأ تكافؤ الفرص داخل الإدارة الترابية.
وفي خضم هذا الوضع ، تلقّى العمال تعليمات واضحة بالإشراف المباشر على مباريات الكفاءة المهنية ، باعتبارهم الجهة الضامنة للحياد والشفافية ، مع تعزيز الرقابة على مساطر الترسيم والترقية التي باتت تستلزم تدقيقا مضاعفا. وقد شرعت المصالح الإقليمية فعلا في مطالبة الجماعات بلوائح الترقي الخاصة بالسنوات الجارية والسابقة، في خطوة تؤشر على رغبة الوزارة في ضبط سيرورة الترقية من المنبع، والحد من القرارات الأحادية التي اتسم بها بعض المنتخبين.
وتشير المعطيات الواردة من مصادر ميدانية إلى أن الداخلية توصلت بطلبات استعطافية عديدة من موظفين عبّروا فيها عن احتجاجهم على ما يعتبرونه غبنا مهنيا ، قوامه “إقصاء القدامى ومحاباة الجدد”، إضافة إلى ما يصفونه بـ”انتقامات انتخابية وحسابات سياسوية ” ناتجة عن اختلاف الانتماءات النقابية أو عن مواقفهم خلال الدورات السابقة للمجالس. كما برزت اتهامات تتعلق بخرق عمل اللجان المتساوية الأعضاء ، التي يفترض أن تكون الضامن المؤسساتي لعدالة المسار المهني.
وتزداد الصورة قتامة في ظل التحذيرات التي أطلقتها تنسيقيات الموظفين بشأن تدهور أوضاعهم الإدارية والاجتماعية، وتزايد حالات التأخير غير المبرر في الترقيات، فضلا عن العقوبات التأديبية التي يعتبرونها تعسفية وتستهدف بعضهم بسبب صراعات انتخابية أو تدبيرية . وفي المقابل ، وجّه رؤساء مصالح إدارية دعوات صريحة للعمال من أجل التدخل لوقف ما وصفوه بـ”الفوضى” التي يكرسها تدخل منتخبين في شؤون الموظفين خارج الإطار القانوني.
وتعزز هذا الوضع مراسلات متواترة استقبلتها المصالح الإقليمية، تستنكر ممارسات اعتبرت انتقامية طالت موظفين بسبب دعمهم للرؤساء السابقين أو اصطفافهم في خانات معينة خلال الصراع السياسي داخل المجالس. وتكشف هذه الوقائع عن أزمة ثقة متنامية داخل الإدارة الجماعية، حيث يتداخل القرار الإداري مع المزاج السياسي، وتصبح المسارات المهنية رهينة حسابات انتخابية لا علاقة لها بروح القانون ولا بمبدأ استمرارية المرفق العام.
أكيد أن التحرك الذي تباشر وزارة الداخلية هندسته اليوم لا يعكس فقط رغبة في إعادة تنظيم مساطر الترقي ، بل يشير إلى محاولة لإعادة الاعتبار إلى مبادئ العدالة المهنية وتجنيب الإدارة الترابية مخاطر التسييس المفرط. فالاستعادة التدريجية لدور السلطة الإقليمية في الإشراف على مباريات الكفاءة والتأشير على الجداول ليست مجرد إجراء تقني ، بل تدخل ضمن مسار أوسع يهدف إلى تعزيز الحكامة الإدارية وضمان تناسق القرار العمومي مع الضوابط القانونية المنظمة للوظيفة المحلية.
وفي ظل هذا المشهد المركب ، تبدو الإدارة الترابية أمام لحظة اختبار حقيقية : فإما أن يتم استثمار هذه التحولات لتعزيز الثقة وبناء مسار مهني قائم على الإنصاف والاستحقاق ، وإما أن يظل الموظف الجماعي عالقا بين تنازع الصلاحيات وامتداد الصراع السياسي إلى قلب الإدارة ، بما يحول دون قيامها بأدوارها في خدمة التنمية المحلية.




