بين الإعفاء الضريبي والزيادة في المعاشات: نحو عدالة اجتماعية أوسع لفئة المتقاعدين

عبد اللطيف نبيه23 أكتوبر 2025آخر تحديث :
بين الإعفاء الضريبي والزيادة في المعاشات: نحو عدالة اجتماعية أوسع لفئة المتقاعدين

 

يشكل الإعفاء الكلي من الضريبة على الدخل بالنسبة للمعاشات والتعويضات الدائمة الممنوحة في إطار أنظمة التقاعد الأساسية، ابتداءً من فاتح يناير 2026، تحولا نوعيا في توجهات السياسة الجبائية الوطنية، وخطوة عملية نحو تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية والإنصاف الجبائي. فبعد سنوات طويلة من خضوع المتقاعدين للضريبة على معاشاتهم، جاء هذا الإجراء ليؤسس لمنظور جديد يربط بين العدالة الضريبية والاعتراف الرمزي والمادي بمساهمات هذه الفئة في بناء الاقتصاد الوطني.

و يستند هذا القرار إلى رؤية اجتماعية واقتصادية متكاملة، تنظر إلى المتقاعد ليس باعتباره عبئا على المالية العمومية، بل باعتباره مواطنا أدى التزاماته خلال فترة نشاطه المهني، ويستحق بالتالي معاملة ضريبية تراعي وضعه المعيشي والاعتبارات الإنسانية المرتبطة بتقدّم السن وتزايد النفقات الصحية. ومن ثم، فإن إعفاء المعاشات من الضريبة، بالرغم من كونه ذا أثر مالي محدود، يعد تجسيدا لمبدأ الإنصاف الذي تسعى المنظومة الجبائية المغربية إلى ترسيخه ضمن مسارها الإصلاحي.

فمن الناحية الاقتصادية، ينظر لهذا الإجراء كآلية مباشرة لتحسين القدرة الشرائية للمتقاعدين، ما من شأنه أن ينعكس إيجابا على الدورة الاقتصادية الداخلية من خلال تحفيز الاستهلاك ودعم الطلب المحلي، والإسهام في تقليص الفوارق الاجتماعية، و بالتالي منح بعد اجتماعي للسياسات العمومية، في انسجام مع التوجهات الكبرى للدولة نحو بناء نموذج تنموي أكثر شمولية وتوازنا .

أما من الزاوية المؤسساتية، فينظر لهذا الإعفاء كإجراء يعكس وعيا متزايدا لدى صانع القرار بأهمية ملاءمة النظام الجبائي مع التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، خاصة في ظل تزايد أعداد المتقاعدين وتنامي المطالب بتحسين أوضاعهم. وهو أيضا رسالة سياسية واقتصادية تروم تعزيز الثقة في المؤسسات وتؤكد التزام الدولة بمبدأ التضامن بين الأجيال.

غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، تظل في نظر المتقاعدين مكسبا جزئيا في انتظار تحقيق المطلب الأهم المتمثل في الرفع من المعاشات، الذي طال انتظاره وأصبح ضرورة اجتماعية واقتصادية ملحة. فالمعاشات الحالية لا تواكب الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة ولا تضمن عيشا كريماً لمن أفنوا سنوات من العمل والعطاء. ولذلك، فإن الإعفاء الضريبي ينبغي أن يكون تمهيدا طبيعيا لإصلاح أعمق يرتكز على تحسين مستوى المعاشات وضمان استدامة صناديق التقاعد، في إطار رؤية شمولية للعدالة الاجتماعية.

بهذا المعنى، لا يقتصر قرار الإعفاء من الضريبة على بعده المالي المباشر، بل يرمز إلى تحول في الفلسفة الجبائية ذاتها، من مقاربة تقنية تركز على تحصيل الموارد إلى مقاربة إنسانية ترى في الجباية أداة لتحقيق الإنصاف، وفي الزيادة في المعاشات تجسيدا فعليا لكرامة المواطن وترسيخا لأسس العدالة الاجتماعية.

الاخبار العاجلة
error: تحذير