بقلم // ابو مروان
يشهد المغرب في الآونة الأخيرة موجات احتجاجية في عدد من المدن، يبرز فيها الحضور المكثف لشباب جيل Z الذين تربوا في ظل الثورة الرقمية وتشكّلت شخصياتهم الفكرية والاجتماعية من خلال فضاءات التواصل الافتراضي أكثر من الواقع الملموس. هؤلاء الشباب الذين اعتادوا على التعبير عن مواقفهم وآرائهم عبر الشاشات وجدوا أنفسهم اليوم أمام حاجة ملحّة لترجمة ,إستيائهم الإلكتروني إلى فعل ميداني، لكن هذا الانتقال لم يكن دائمًا سلسا أو منظما، بل حمل معه الكثير من التحديات.
فالسرية الإلكترونية التي عاش فيها هذا الجيل لسنوات طويلة جعلتهم يطورون أسلوبا خاصا في التواصل والاحتجاج، حيث يمكن لتدوينة قصيرة أو فيديو أن يثير جدلا واسعا ويحدث موجة من التفاعل الفوري. غير أن الواقع الميداني يفرض شروطا مختلفة تماما، فهو يحتاج إلى تنظيم، وضبط، ورؤية واضحة للمطالب، وإلا تحول الغضب العفوي إلى فوضى تضعف قوة الرسالة وتفتح الباب أمام الانزلاقات.
أكيد أن ما نعيشه اليوم يكشف أن المرحلة المقبلة تتطلب من الشباب الانتقال من السرية الافتراضية إلى العلنية المسؤولة والمواطنة . فالعلنية لا تعني فقط الظهور في الشارع أو رفع الشعارات، بل تعني المشاركة الواعية في الحياة العامة، صياغة بدائل وحلول، الدفاع عن الحقوق في إطار من السلمية و احترام للضوابط القانونية ، والتعبير عن المواقف ، ولكن ضمن منطق يحافظ على المشترك الوطني. ويجب التذكير هنا بأن دستور المملكة المغربية يكفل الحق في التظاهر السلمي باعتباره وسيلة حضارية للتعبير عن المطالب، شريطة أن يتم في إطار القانون وضوابط المسؤولية.
ولا يمكن أن نغفل أن الإطار الذي يجب أن يحتضن هذا التحول هو المواطنة. فالمواطنة ليست حقا في الاحتجاج فقط، وإنما واجب في الانخراط، في المشاركة السياسية والمدنية، في التصويت، في الانتماء إلى جمعيات وهيئات قادرة على تحويل المطالب إلى مشاريع واقعية.
إن الجزء الكبير من الإشكال الذي يواجهه جيل Z يكمن في فقدان الثقة في الأطر التقليدية ، وهو ما يفسر اللجوء المباشر إلى الشارع أو المنصات الرقمية. لكن بناء ديمقراطية متينة يتطلب إعادة الاعتبار لهذه الوسائط وإصلاحها بما يجعلها أقرب وأكثر تعبيرا عن تطلعات الشباب.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال حجم الإنجازات الكبرى التي راكمها المغرب في ظل القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، سواء على مستوى تعزيز البنيات التحتية، أو إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات الطاقة المتجددة، التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية، أو على صعيد ترسيخ إشعاع المملكة إقليميا ودوليا . هذه الإنجازات تشكّل أرضية خصبة ينبغي أن ينخرط فيها الشباب المغربي بروح إيجابية، بدل حصر دورهم في الغضب والاحتجاج فقط.
إن الاحتجاجات التي تشهدها بعض المدن المغربية اليوم تشكل تعبيرا عن وعي جديد عند الشباب ورغبة صادقة في أن يكونوا شركاء في صياغة المستقبل. و إن التحدي الحقيقي أمام جيل Z هو أن يحول طاقاته إلى مشاريع بنّاءة ، والانتقال من التدوينات إلى مبادرات جماعية ، من الإحتجاج العابر إلى النضال السلمي الدائم، ومن الفوضى إلى المواطنة المسؤولة. وهنا يجب التحذير من خطورة الانسياق وراء أجندات أجنبية ، أو دعوات مشبوهة تسعى إلى استغلال حماس الشباب لزعزعة أمن المغرب واستقراره. فشباب المغرب اليوم مدعوون إلى اليقظة، إلى الوعي بمسؤولياتهم ، إلى تحويل حماسهم إلى قوة اقتراحية وإبداعية ، وإلى أن يبرهنوا أنهم ليسوا فقط جيلا غاضبا، بل جيلا وطنيا ومواطنا مبدعا ، قادرا على الإنخراط بمسؤولية ، و بروح وطنية عالية في مسيرة البناء والتقدم التي يقودها جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
وفي صورة وطنية جامعة ، يظل الشباب المغربي أبناء هذا الوطن الأوفياء، يحملون راية حمراء يتوسطها نجم أخضر خماسي، يهتفون بحب الوطن ويجددون العهد بالوفاء للعرش ، مدركين أن قوتهم الحقيقية لا تكمن في الفوضى أو التبعية، بل في الوحدة والالتفاف حول الثوابت الوطنية. إنهم الجيل الذي يشارك في صنع الأمل وصون الاستقرار، ويسير بخطى ثابتة خلف القيادة الرشيدة لعاهل البلاد نحو مغرب قوي، موحد ، متماسك ومزدهر .




