في خطوة وصفت بـ “التاريخية” وذات الأبعاد الإنسانية العميقة، أعلن رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، اليوم الثلاثاء، عن مصادقة مجلس الوزراء على مرسوم ملكي يقضي بإطلاق عملية تسوية استثنائية لأوضاع المهاجرين في وضعية غير نظامية، وهو القرار الذي جاء ثمرة لنضال مدني طويل قادته مئات المنظمات وأكثر من 600 ألف مواطن عبر مبادرة تشريعية شعبية، واضعاً إسبانيا في طليعة القوى الأوروبية التي تتبنى مقاربة واقعية وشجاعة لملف الهجرة بعيداً عن صخب الاستقطاب السياسي.
ولم يكن خطاب سانشيز مجرد إعلان إداري روتيني، بل جاء بمثابة “وثيقة اعتراف” سيادية بالدور الجوهري الذي يلعبه المهاجرون، وفي مقدمتهم آلاف المغاربة، في النسيج السوسيواقتصادي الإسباني، حيث شدد رئيس الحكومة على أن هذه العملية تهدف إلى “تطبيع” وضعية ما يقارب نصف مليون شخص يساهمون فعلياً في مجالات حيوية كالفلاحة ورعاية المسنين والابتكار، معتبراً أن هذه التسوية هي فعل عدالة تاريخي يعيد الاعتبار لكل من يساهم في بناء إسبانيا الغنية والمتنوعة.
ويرى مراقبون أن هذا القرار استند إلى ركائز استراتيجية تتجاوز البعد الحقوقي الصرف، إذ يمثل استجابة مباشرة للتحدي الديموغرافي وشيخوخة المجتمع الإسباني، حيث أقر سانشيز صراحة بأن المهاجرين هم “شريان الحياة” لضمان استدامة الخدمات العامة من صحة وتعليم ومعاشات، مؤكداً أن النمو الاقتصادي الإسباني المتصدر أوروبياً مدينٌ بشكل كبير لهذه الدينامية البشرية، وفي المقابل، حمل القرار رسالة سياسية قوية لمواجهة خطابات الخوف والإقصاء، مكرساً مبدأ أن الإدماج القانوني المبني على الحقوق والواجبات هو الرد الوحيد والفعال لضمان التعايش والازدهار المشترك.
وعلى الجانب الآخر من المتوسط، قوبل هذا الإعلان بترحيب واسع في الأوساط المغربية، حيث يُنظر إليه كـ “إنصاف” طال انتظاره لآلاف الأسر التي ظلت لسنوات خارج مظلة الحماية القانونية، ومن شأن هذه الخطوة أن تضفي مزيداً من الدفء على العلاقات الاستراتيجية بين الرباط ومدريد، وتؤكد على مفهوم المسؤولية المشتركة في تدبير ملف الهجرة، ليس كهاجس أمني فحسب، بل كفرصة حقيقية للتنمية، لتقدم إسبانيا بذلك نموذجاً دولياً في تحويل التحديات البشرية إلى روافع للنهوض الوطني والعدالة الاجتماعية.




