من سلطة الوصاية إلى فاعل ترابي استراتيجي : الولاة والعمال في قلب دينامية التنمية المحلية — عبد الغني الصبار نموذجا .

عبد اللطيف نبيه11 أبريل 2026آخر تحديث :
من سلطة الوصاية إلى فاعل ترابي استراتيجي : الولاة والعمال في قلب دينامية التنمية المحلية — عبد الغني الصبار نموذجا .

لم يعد دور ولاة وعمال جلالة الملك محمد السادس حفظه الله على أقاليم المملكة يقتصر على ممارسة الاختصاصات التقليدية المرتبطة بالرقابة الإدارية أو ما يصطلح عليه بسلطة الوصاية على المجالس الترابية ، بل شهد هذا الدور تحوّلا نوعيا عميقا جعله يتموقع في صلب الفعل التنموي كفاعل استراتيجي يواكب ، ينسّق ، ويضمن انسجام السياسات العمومية على المستوى الترابي .
هذا التحول يجد سنده في التحولات الدستورية والمؤسساتية التي كرّسها دستور المملكة 2011 ، والذي أعاد تعريف مفهوم السلطة الترابية في اتجاه تعزيز الحكامة الجيدة ، وربط المسؤولية بالمحاسبة ، وتكريس اللاتمركز الإداري كرافعة أساسية لتحقيق التنمية المندمجة . وضمن هذا السياق ، أضحى الوالي أو العامل ليس فقط ممثلا للسلطة المركزية ، بل أيضا مهندسا ترابيا يسهر على تحقيق الالتقائية بين مختلف المتدخلين والفاعلين ، وضامنا لتوازن دقيق بين استقلالية الجماعات الترابية ومتطلبات المصلحة العامة .
وفي هذا الإطار ، يبرز اسم السيد عبد الغني الصبار ، عامل عمالة مكناس، كنموذج دال على هذا التحول في ممارسة الوظيفة الترابية . فمن خلال مقاربة قائمة على الحضور الميداني ، والتفاعل المستمر مع مختلف الفاعلين المحليين ، استطاع أن يكرّس دور السلطة الإقليمية كقاطرة مواكِبة لمسار التنمية ، لا كجهاز رقابي جامد .
و لقد أبانت التجربة التدبيرية بالعاصمة الإسماعيلية أن تنزيل المشاريع التنموية الكبرى لا ينجح فقط بتوفر الاعتمادات المالية أو الرؤى القطاعية ، بل يتطلب بالأساس قيادة ترابية قادرة على التنسيق الفعّال ، وتذليل العقبات ، وضمان انسجام التدخلات . وهو ما تجسد في حرص عامل الإقليم على تتبع الأوراش المفتوحة ، و الحرص على تسريع وتيرة إنجازها ، مع إرساء آليات ناجعة للتتبع والتقييم .
ولا يقتصر هذا الدور على الجانب التقني أو التدبيري ، بل يمتد ليشمل وظيفة تحكيمية أساسية في تدبير الخلافات التي قد تنشأ داخل المجالس المنتخبة أو بينها وبين مختلف الشركاء . ففي ظل تعدد الفاعلين وتباين الرؤى ، تبرز أهمية السلطة الترابية كضامن للاستقرار المؤسساتي ، من خلال اعتماد مقاربات توافقية تراعي المصلحة العامة وتجنّب تعطيل المشاريع الحيوية .
كما يبرز دور عامل عمالة مكناس في تعزيز جاذبية المجال الترابي للاستثمار ، من خلال العمل على تحسين مناخ الأعمال ، وتبسيط المساطر، ومواكبة المستثمرين ، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تحفيز الاستثمار وخلق فرص الشغل . فالتنمية لم تعد رهينة فقط بالموارد المحلية ، بل أصبحت مرتبطة بقدرة المجال على استقطاب المبادرات الاقتصادية ، وهو ما يستدعي قيادة ترابية فعالة ومنفتحة .
ومن زاوية أعمق ، يمكن قراءة هذا الدور في إطار ما يُعرف بـ”الذكاء الترابي” ، أي القدرة على استثمار الخصوصيات المحلية وتوجيهها في إطار رؤية تنموية مندمجة ومستدامة . وهو ما يتطلب فاعلا مؤسساتيا قادرا على الربط بين البعد الاستراتيجي والتنزيل الميداني ، بين التخطيط والتنفيذ ، وبين مختلف مستويات القرار .
أكيد أن تجربة مكناس ، في هذا السياق ، تعكس بوضوح أن السلطة الترابية ، حين تمارس أدوارها بروح المبادرة والمسؤولية ، تتحول إلى عنصر توازن وضمانة أساسية لنجاح المشاريع ، بما يضمن أن يظل ” قطار التنمية ” سائرا في اتجاهه الصحيح ، دون انحرافات أو تعثرات.
و دون شك أن تثمين دور السيد عبد الغني الصبار ، عامل عمالة مكناس ، لا يندرج فقط في إطار الإشادة بشخصه ، بل يعكس وعيا متزايدا بأهمية إعادة تعريف وظيفة العامل كفاعل مركزي في هندسة التنمية الترابية ، وكحلقة وصل حيوية بين الدولة والمجال ، وبين السياسات العمومية وانتظارات المواطن.

وفي هذا السياق ، يندرج التحول في أدوار الولاة والعمال ، كما يجسده نموذج السيد عبد الغني الصبار بمكناس ، ضمن تنزيل فعلي للرؤية الملكية المتبصّرة التي ما فتئت تؤكد على جعل الإدارة الترابية رافعة حقيقية للتنمية ، قائمة على القرب ، والنجاعة ، وحسن تنزيل السياسات العمومية ، بما يضمن سير المغرب بسرعة واحدة بدل سرعتين .
و هي رؤية ملكية حكيمة تؤسس لسلطة ترابية حديثة ، تتجاوز منطق التدبير التقليدي نحو منطق الفعل الاستراتيجي ، بما يضمن التناسق بين التوجيهات المركزية وخصوصيات المجال ، ويكرّس دينامية تنموية مندمجة ، قوامها الإنصاف والعدالة المجالية ، في أفق الاستجابة الفعلية لتطلعات وانتظارات رعايا عاهل البلاد جلالة الملك محمد السادس نصره الله ، وترسيخ أسس التنمية المستدامة .

الاخبار العاجلة
error: تحذير