تُعد إشكالية تدبير مواقف السيارات في المدن المغربية من التحديات الحضرية البارزة، حيث تتفاقم مظاهر الفوضى والعشوائية والاستغلال غير القانوني للملك العام، مما يؤثر سلبًا على انسيابية حركة المرور وراحة المواطنين. وفي هذا السياق، تبرز مبادرة جماعة الدار البيضاء، المتمثلة في إعداد “دفتر تحملات” لتنظيم قطاع حراس السيارات، كخطوة واعدة نحو إرساء أسس مهنية وشفافةلهذا النشاط. ويثير هذا التوجه تساؤلات حول إمكانية استلهام جماعات أخرى، و من ضمنها جماعة مكناس التي تعاني بدورها من نفس الإشكالات، لهذه التجربة الرائدة وتبني آليات مماثلة لتحقيق حكامة جيدة في تدبير مواقف السيارات.
يستند مشروع “دفتر تحملات” الذي أعدته جماعة الدار البيضاء إلى رؤية شاملة تهدف إلى هيكلة قطاع حراسة السيارات من خلال وضع معايير واضحة للاستفادة من تراخيص الاستغلال المؤقت للملك العام. وقد ارتكزت هذه المعايير على جوانب قانونية واجتماعية تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص، مع إيلاء أهمية خاصة للفئات الهشة والعاطلة عن العمل.
و من أبرز الأسس التي ينبني عليها دفتر تحملات الدار البيضاء
شروط قانونية وإدارية محكمة حيث يلتزم المترشحون بتقديم وثائق ثبوت الهوية والسجل العدلي النظيف وشهادة الإقامة والبطالة، مما يضمن انتقاء عناصر ذات مصداقية.
كنا يتضمن معايير اجتماعية ذات أولوية حيث يمنح الأفضلية للفئات الأكثر هشاشة واحتياجًا، كالأرامل والمعيلين الوحيدين والأشخاص ذوي الإعاقة، مما يضفي بعدًا اجتماعيًا هامًا على العملية.
وينبني دفتر التحملات ، بالإضافة إلى هذه الأسس، على ضوابط تنظيمية للحد من العشوائية من خلال تحديد عدد التراخيص الممنوحة في كل منطقة وفرض رقابة دورية لضمان الالتزام بالضوابط.
كما ينص دفتر التحملات على التزامات مهنية واضحةحيث يتم إلزام الحراس بارتداء زي موحد وحمل بطاقة تعريف، واحترام التسعيرة القانونية، وتوجيه السائقين بشكل سليم، والحفاظ على النظام العام، والامتناع عن أي سلوكيات غير قانونية.
و من بين آليات للجزاء عند الإخلال بالالتزامات التنصيص على سحب الترخيص في حال عدم احترام مقتضيات دفتر التحملات، مما يعزز مبدأ المسؤولية والمساءلة.
وجماعة مكناس التي تعاني هي الأخرى من فوضى مواقف السيارات وتجاوزات بعض الحراس غير المرخصين، مدعوة اليوم إلى التفكير بجدية في استلهام تجربة الدار البيضاء. و إن تبني نهج مماثل، مع مراعاة الخصوصيات المحلية، يمكن أن يساهم بشكل فعال في
إرساء نظام قانوني وشفاف يضمن حقوق الجماعة والمواطنين وحراس السيارات المرخصين ،
وفي الحد من العشوائية والاستغلال اللاقانوني من خلال تنظيم القطاع وتحديد المسؤوليات.
فضلا عن تحسين جودة الخدمات المقدمة من خلال إلزام الحراس بمعايير مهنية وأخلاقية ، ومع الحرص على
إدماج الفئات الهشة اقتصاديًا واجتماعيًا من خلال منحهم فرص عمل منظمة.
بالموازاة مع كل هذه الجوانب ، تبرز أهمية تعزيز الحكامة الجيدة في تدبير الملك العام من خلال وضع آليات للمراقبة والمساءلة.
دون شك أن مبادرة الدار البيضاء تمثل خطوة مهمة نحو تنظيم قطاع حيوي يمس حياة شريحة واسعة من المواطنين. وعلى جماعة مكناس، انطلاقًا من مسؤوليتها في تدبير الشأن المحلي وتحسين جودة الحياة الحضرية، أن تدرس هذه التجربة بعناية وأن تستفيد من الدروس المستخلصة منها لوضع إطار تنظيمي خاص بمواقف السيارات في المدينة. وإن تبني نهج أكاديمي ومنظم، يستند إلى دراسات معمقة ومشاورات واسعة، هو الكفيل بتحويل تحدي فوضى المواقف إلى فرصة لتحقيق تنمية حضرية مستدامة وخدمة أفضل للمواطنين.
