يثير تمسك الحكومة، ممثلة في وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، باعتماد الاقتراع الفردي السري الاسمي بالأغلبية النسبية في دورة واحدة، لانتخاب أعضاء المجلس الوطني للصحافة، جدلاً واسعاً وسط الفرق البرلمانية والنقابات المهنية، في ما يبدو أنه صراع خفي حول من يملك تمثيل الصحافيين، ومن يحدد شكل التنظيم الذاتي للمهنة.

الوزير بنسعيد، خلال مناقشة مشروع القانون 26.25 داخل لجنة التعليم والثقافة والاتصال، لم يكتف برفض مقترحات التعديل الداعية للعودة إلى نظام اللائحة، بل أصر على الدفاع عن الاقتراع الفردي باعتباره يضمن، حسب تعبيره، حرية الاختيار ويُحمّل كل مرشح مسؤوليته أمام الهيئة الناخبة. هذا التبرير، وإن بدا منسجماً مع منطق “التصويت الفردي الحر”، إلا أنه يتجاهل السياق الخاص للمهنة الصحافية التي ترتبط فيها التمثيلية بالتنظيم المهني الجماعي، لا بالمنافسة الفردية.
في المقابل، عبّرت ثلاثة فرق برلمانية عن رفضها القاطع لهذا النمط الانتخابي، ودافعت بقوة عن نمط الاقتراع باللائحة، كلٌ من موقعه:
- الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية طالب باعتماد اللائحة المغلقة المقدمة من النقابات المهنية المعترف بها، ما يعكس رغبته في تمكين الهيئات المهنية من تأطير التمثيلية بدل ترك الباب مفتوحًا أمام التشتت الفردي.
- الفريق الحركي ساند نفس التوجه، باقتراحه الاقتراع باللائحة وبالتمثيل النسبي، في سعي إلى ضمان توازن تمثيلي يعكس تعددية الجسم الصحافي.
- فريق التقدم والاشتراكية تبنى بدوره خيار اللائحة، معتبرًا أن الاقتراع الجماعي أكثر عدالة ومطابقة لطبيعة التنظيمات المهنية.
أما المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، فذهبت إلى اقتراح تقني أدق، داعية إلى اعتماد الاقتراع اللائحي المباشر، بالتمثيل النسبي وقاعدة أكبر بقية، في محاولة لضمان تمثيلية عادلة للأطياف المهنية كافة.
اللافت في موقف الوزير بنسعيد ليس فقط الرفض، وإنما تجنّبه تقديم مرافعة سياسية أو مهنية متماسكة لتبرير هذا الرفض، ما جعل العديد من المتابعين يتساءلون عما إذا كان الأمر يتعلق بخيار إداري تقني محض، أم بموقف سياسي يروم إضعاف الهيئات المهنية التي كانت فاعلة خلال التجربة الأولى للمجلس، والتي تمخضت عن فوز “لائحة حرية، نزاهة، مهنية” سنة 2018.
وقد دخلت النقابة الوطنية للصحافة المغربية على الخط، لتعبّر بوضوح عن رفضها لهذا النمط الانتخابي الجديد، مؤكدة أن مشروع القانون الحالي “يتنكر للتجربة السابقة” و”يضرب بعرض الحائط المعايير الدستورية والدولية ذات الصلة بالتنظيم الذاتي المستقل”.
في العمق، لا يبدو الصراع تقنيًا حول نمط انتخابي، بل يعكس توتراً أعمق حول موقع الصحافة في المعادلة الديمقراطية، وحدود استقلالية الجسم الإعلامي عن السلطة التنفيذية. فالتمسك بالاقتراع الفردي يفتح المجال لتفتيت التمثيلية المهنية، وربما لتسرب اختيارات غير مهنية إلى مجلس من المفترض أن يكون حارسًا لأخلاقيات المهنة، وليس ساحة للصراع السياسي أو الشخصي.
ما يحدث اليوم داخل البرلمان هو معركة على مستقبل التنظيم الذاتي للصحافة، وعلى صورة المجلس الوطني كمؤسسة مستقلة أو أداة مرنة في يد من يملك مفاتيح الاقتراع.
