في سياق نقاشات مشروع قانون المالية لسنة 2026، عادت الحكومة لتؤكد رهاناتها الاجتماعية كخيار ثابت لا يخضع للمزايدات ولا للتقلبات، معتبرة أن تعزيز الخدمات العمومية وتوسيع الحماية الاجتماعية يظل جوهر السياسات العمومية خلال السنوات المقبلة. هذا التأكيد جاء على لسان الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، الذي شدد على أن البعد الاجتماعي لم يعد مجرد توجه ظرفي، بل أصبح “عموداً فقرياً” لبرنامج الحكومة وتنزيل ورش الدولة الاجتماعية الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس.
وخلال الندوة الصحافية الأسبوعية التي أعقبت اجتماع مجلس الحكومة، أوضح بايتاس أن مشروع قانون المالية لسنة 2026 يجسد بقوة هذا التوجه من خلال رفع الاستثمارات الموجهة لقطاعات الصحة والتعليم، إذ بلغت ميزانيتهما المشتركة حوالي 140 مليار درهم، وهو رقم يقارب ضعف الميزانية التي كانت مخصصة لهذين القطاعين قبل سنة 2021. واعتبر أن هذا الارتفاع يعكس إرادة واضحة في تحسين جودة الخدمات العمومية وتعزيز العدالة الاجتماعية، عبر تأهيل البنيات الاستشفائية، وتوسيع البرامج التربوية، وتجويد ظروف العمل داخل المؤسسات التعليمية والصحية.
وأشار الوزير إلى أن الحكومة خصصت أيضاً اعتمادات مالية ضخمة لمواكبة ورش الحماية الاجتماعية الذي يشمل الدعم المباشر والتغطية الصحية، حيث رُصد له في مشروع القانون ما يناهز 41,5 مليار درهم. وفي جانب آخر من المجهود الاجتماعي، ذكر بايتاس أن صندوق المقاصة استهلك خلال الفترة الممتدة من 2022 إلى 2025 حوالي 105 مليارات درهم، وستتم برمجة 14 مليار درهم إضافية خلال سنة 2026 لضمان استقرار الأسعار ودعم القدرة الشرائية للأسر.
وأبرز المسؤول الحكومي أن الحفاظ على استقرار أسعار الكهرباء تطلّب بدوره مجهوداً مالياً كبيراً، حيث وصل دعم المكتب الوطني للكهرباء إلى 17 مليار درهم خلال الفترة نفسها، وهو ما مكّن من تجنب أي زيادات في فواتير الاستهلاك. كما توقف عند الإجراءات الجبائية ذات الطابع الاجتماعي، لاسيما تخفيض الضريبة على الدخل التي بلغت قيمتها 8,5 مليارات درهم، والتي استفاد منها مئات الآلاف من الأجراء والموظفين.
ولم يغفل بايتاس الإشارة إلى كلفة الحوار الاجتماعي، التي وصفها بـ”المكتسب الوطني”، مؤكدا أنها ستتجاوز 49 مليار درهم بحلول سنة 2027، ما يعكس وفق تعبيره “التزام الحكومة بتحسين أوضاع الموظفين والأجراء وتعزيز السلم الاجتماعي”.
وختم الناطق الرسمي باسم الحكومة مداخلته بالتأكيد على أن مشروع قانون المالية الجديد يحاول الموازنة بين متطلبات الاستثمار ودعم القطاعات الاجتماعية، مع الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى، مشددا على أن “الدولة الاجتماعية ليست شعاراً سياسياً، بل مساراً إصلاحياً مستمراً يستجيب لأولويات المواطنين وينسجم مع التوجيهات الملكية”.
