أخبار مكناس24 // هيئة التحرير
في لحظة دقيقة يعيشها المشهد الإعلامي المغربي، خرج عشرات الصحافيين مساء الجمعة 28 نونبر 2025 إلى الشارع في وقفة صامتة أمام وزارة الشباب والثقافة والاتصال. صمتهم كان أقوى من أي هتاف؛ فقد حمل رسائل واضحة تختزل أزمة ثقة غير مسبوقة بين الجسم الصحافي وبين المؤسسة التي يفترض أنها تمثله وتحمي استقلاليته : المجلس الوطني للصحافة.
الشرارة التي فجّرت الاحتقان لم تكن سوى فيديو مسرب من اجتماع لجنة تأديبية. لكن ما كشفه هذا الفيديو لم يكن تفصيلا عابرا، بل زلزالا أخلاقيً ضرب أساس الفكرة التي قام عليها التنظيم الذاتي. ففي اللحظة التي تستعمل فيها ألفاظ نابية داخل مؤسسة يفترض أن تكون حارسة لأخلاقيات المهنة، وفي اللحظة التي يلمّح فيها إلى علاقات غير مهنية مع مسؤولين قضائيين، يصبح السؤال مشروعا : أي شرعية بقيت لهذه المؤسسة؟
رفع المحتجون لافتات تطالب بحل المجلس، ووضعوا علامات حمراء على أفواههم تعبيرا عن ما يعتبرونه تكميما للصوت المهني المستقل. وليست هذه مجرد رموز احتجاجية، بل صرخة عميقة تعبّر عن جرح مهني يشكك في قيمة التنظيم الذاتي نفسه عندما يغيب الضبط الأخلاقي والمحاسبة الداخلية.
ولأن الأزمة لم تعد تخصّ الصحافيين وحدهم، خرجت الفدرالية المغربية لناشري الصحف ببيان حاد اللهجة، واصفة ما حدث بـ“المجزرة الحقوقية والأخلاقية”، مطالبة بتحقيق قضائي عاجل يحدد المسؤوليات وينهي حالة العبث الأخلاقي التي مست صورة المهنة ومصداقيتها.
إن ما يجري اليوم لا يمثل خلافا عابرا حول قرار تأديبي، بل يعكس تصدعا عميقا في بنية مؤسسة كان ينتظر منها أن تكون ضمير المهنة. وقد يكون من العبث الاستمرار في مناقشة مشروع قانون لإعادة تنظيم المجلس في ظل انهيار الثقة في منطق اشتغاله وفي أساليب تدبيره للملفات المهنية الحساسة.
الأكيد أن الجسم الصحافي المغربي يقف اليوم عند مفترق طرق. فإما إعادة بناء تنظيم ذاتي حقيقي يستند إلى الشفافية والمسؤولية الأخلاقية ويحمي حرية الصحافة بدل أن يقيدها، وإما الاعتراف بنهاية نموذج لم يعد قادرا على حمل رسالته الأولى.
في كل الأحوال، ما وقع يجب ألا يقرأ كأزمة ظرفية، بل كإنذار أخير لإعادة ترتيب البيت الداخلي للمهنة. فالصحافة، إن فقدت أخلاقها ومصداقيتها وثقة أهلها فيها، تفقد وجودها ذاته. واليوم ، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج المغرب إلى إعلام مستقل ومسؤول، قادر على حماية الحقيقة قبل حماية المؤسسات.
إن مستقبل الصحافة المغربية لن يُبنى إلا على أساس صلب يحمي حرية الممارسة ويصون القيم التي تقوم عليها المهنة، ذلك أن الإعلام الذي لا يدافع عن استقلاليته يفقد دوره قبل أن يفقد جمهوره.
