في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة كرة القدم العالمية، ضرب المنتخب المغربي موعداً جديداً مع التاريخ بحجزه مقعداً مستحقاً في دور الـ16 من نهائيات كأس العالم، وذلك بعد انتصار درامي ومثير على المنتخب الهولندي بركلات الترجيح بنتيجة (3-2)، عقب انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله.
لقد جسد “أسود الأطلس” في هذه المواجهة الاستثنائية أسمى معاني الإصرار والروح القتالية، حيث سيطروا على معظم فترات اللقاء بفضل تنظيم تكتيكي عالٍ واستحواذ ميداني فرضوا من خلاله أسلوبهم. ورغم المباغتة الهولندية التي جاءت عبر هدف كودي جاكبو في الدقيقة 72، إلا أن الإيمان بقدرة المنتخب على العودة لم يتزعزع، ليتوج هذا المجهود برأسية قوية ومتقنة من عيسى ديوب في الدقيقة 91، معيداً المباراة إلى نقطة البداية ومحيياً آمال الجماهير التي لم تتوقف عن المساندة.
وامتدت الإثارة لتشمل الأشواط الإضافية التي شهدت تبادلاً للفرص الضائعة، ولعل أبرزها المحاولة الذهبية التي أهدرها سفيان رحيمي في الدقيقة 96، والتي أظهرت في المقابل براعة الحارس الهولندي في الحفاظ على بقاء فريقه في المنافسة حتى ركلات الترجيح. وعند الاحتكام إلى العلامة الفارقة، تحولت الأجواء إلى ساحة للدراما الكروية، حيث شهدت سلسلة الركلات لقطة تاريخية نادرة عندما سجل الحارس الهولندي بارت فيربورغن هدفاً عكسياً في مرماه بطريقة غير مقصودة، وهو ما أضفى صبغة غير مسبوقة على مسار ركلات الترجيح.
ولم تكن الرحلة نحو التأهل مفروشة بالورود، بل تطلبت تركيزاً ذهنيًا فائقاً في لحظات الضغط القصوى، حيث سجل شمس الدين طالبي ركلة حاسمة أعادت التعادل للمغرب، بينما أظهر القائد أشرف حكيمي وزملاؤه صلابة كبيرة رغم إهدار بعض الركلات. وكان الموعد مع التألق الأبرز للحارس ياسين بونو، الذي قرأ تسديدة كريسينسيو سومرفيل ببراعة فائقة وتصدى لها في توقيت مثالي، ليمهد الطريق أمام إسماعيل الصيباري الذي نفذ الركلة الحاسمة بثبات وهدوء، مانحاً بلاده بطاقة العبور إلى الدور التالي.
بهذا الإنجاز الذي يعيد للأذهان ملحمة نسخة 2022، يثبت المنتخب المغربي بقيادة مدربه محمد وهبي أنه يسير بخطى ثابتة نحو فرض اسمه كقوة كروية عالمية، متطلعاً الآن بكل ثقة وعزيمة إلى مواجهة نظيره الكندي في الدور القادم على ملعب هيوستن، في رحلة يطمح من خلالها “الأسود” لمواصلة كتابة المجد وإسعاد الملايين.
