أخبار مكناس 24 – محمد بورعي
في دهاليز الذاكرة، حيث يمتزج غبار الزمن بعطر الماضي، تطفو تساؤلات الروح الغة، ونحن صغارا، نستعجل الأيام لنكبر، ونشتهي قطف ثمار المعرفة قبل نضجها.
كانت “الأعياد” عندنا لا تقاس بالتقويم، بل بالنبض؛ مواسم محليّة قد يضل الزمن طريق تاريخها، لكن الجغرافيا تظل محفورة في تضاريس القلب.
قصبة هدراش لم تكن مجرد حي، بل كانت رحما طينيا يلد القيم ويسقيها بماء “النية”،حين يبدأ الزمن بالترنح نحو رتابة النسيان، تأتي “طليعة الأسر” – أولئك الشيوخ الوقورون – لتعيد ضبط عقارب الروح على توقيت الجمال، لكل موسم” براحه” الخاص، بطابع الحكواتي ينسج من الواقع كل شيء جميل، كائن برزخي لا يظهر إلا والليل يرخي سدوله بعد صلاة المغرب؛لعله كان يعلم، بحكمته الفطرية، أن الأجساد قد عادت من كدحها، وأن الأرواح الآن أسمع.
كان” براح” موسم “مولاي إدريس” آية في التناقض الجميل، لباسه أنيق يشي بوقار غابر، رغم أن الدهر قد أكل عليه وشرب حتى غدا الثوب يحكي تاريخ لابسيه. عمامة صغيرة تتوّج رأسه، وعكاز يتوكأ عليه كأنه العمود الفقري لذكريات المدينة، وعلى كتفه “قراب” من الدوم الحر، مزخرف بقطع قماش مبرقعة، كأنها تمائم تحرس أسرار ترحاله.
يمر في الشارع الرئيسي لـ “للاخضراء”، لكن قدميه الخبيرتين تعرفان الأزقة الضيقة، خاصة تلك التي يفوح منها عبق الذكر، حيث يقطن شيوخ الطوائف العيساوية،لا أزال أذكر تلك النغمة.. بحـة في صوته تشق سكون الليل، نبرة صبا حزينة ومستبشرة في آن واحد. كانت صيحته تستدر دمع الشيوخ، وتثير شجن النساء، وتزرع الفضول في قلوب الأطفال.
وقف ذات ليلة، ونادى، وكأن صوته قادم من بئر سحيقة من القداسة:
”الصلاة والسلام على النبي المختار.. سيدنا محمد خاتم الأنبياء..
الصلاة والسلام على النبي العدنان.. من صلى عليه ينال المزايا…”
ثم، ببراعة موسيقي فطري، غير المقام، من” الصبا “الى” البياتي،” فانسابت الكلمات بردا وسلاما:
”لا إله إلا الله، محمد رسول الله.. ما تسمعوا غير الخير إن شاء الله.
نهار الجمعة موسم العلميين… إن شاء الله ننتفعوا بزيارتوا، وإن شاء الله نزوروا سيدنا محمد العدنان”.
كان يمر مرتين.. نداءان كخفقتي قلب، للتذكير بموسم “العلميين” و”الموسم الأكبر”. صوته هو الحبل السري الذي يربط القصبة بضريح الولي الصالح قبل الرحيل إليه.
هاهنا بقصبة هدراش، كان الاستعداد لمولاى إدريس طقسا مقدسا حيث تتحول الأزقة إلى خلايا نحل لا تهدأ،كل طائفة، وكل فرقة تضبط إيقاعها الخاص، هيكلية عجيبة لم تخطها أقلام علماء الاجتماع، بل كتبتها الحياة بمداد الاحترام المتبادل.
لكل طائفة “شيخ” هو قطب الرحى، و”أمين” هو حافظ السر والمال، لم يكن هؤلاء خريجي جامعات، ولا قرأوا علوم التربية ولا علم النفس، لكنهم كانوا “قدوة” تمشي على الأرض،ورعهم، انضباطهم، حلمهم، وحفظهم للقرآن – كله أو جله – كان هو المنهاج التربوي الوحيد.
يقول الشيخ مصطفى، أحد رجالات الطائفة، بصوت يقطر وقارا شابا: “يا بني، التربية ليست سطورا تحفظ، بل هي مسلك يسلك.
يابني الأدب قبل الطلب، والنية قبل العمل، من صفت نيته، صفا عيشه”.
كان الأمين ومجموعته يطوفون على الحرفيين وأصحاب الضيعات وأعيان الحي، يجمعون المساهمات بنوع من “الحياء الرفيع”. لم يكن جمعا للمال بقدر ما كان جمعا للقلوب على هدف واحد، لم يكن أحد يجرؤ على إظهار قلة تربية في حضرة هؤلاء الشيوخ؛ فالهيبة التي يفرضونها هي هيبة الصلاح لا السلطة.
وبتدبير محكم، توزع المهام كقطع فسيفساء نادرة: هذا للتنظيف، وذاك للطهي، وآخر لتهيئة المكان في الزاوية هناك ،قبل وصول الموكب،كل يعرف مقامه.
وسط هذا الزحام المهيب، كان يبرز شخص لا نراه إلا مرتين في السنة: في موسم “مولاي إدريس”، وموسم “الشيخ الكامل”. رجل يأتي من العاصمة الرباط، لكن روحه ظلت معلقة بأزقة القصبة.
كان قمة في الأناقة التقليدية، نموذجا حيا لـ “الهمة” و”الشان”. جلابيب صوفية ناعمة، وطربوش أحمر على مقاسه ، وبلغة صفراء زيوانية .
كنت أجدني منجذبا للجلوس بجانبه، كأن مغناطيسا روحيا يشدني إليه، العطر الذي يفوح منه لم يكن صنيعة صيدليات الأرض؛ كنت تخاله نسيما قادما، من رياض الجنة، وحين يتكلم، يقسم من جالسه أن فاه يقطر ماء زهر.
لم يكن لغوا، ولا ضحكا عبثيا، إن تكلم، تكلم خيرا، وإن وعظ في شؤون الحياة، كانت آيات القرآن وأحاديث المصطفى، صلى الله وعليه وسلم، تترقرق على لسانه كشلال عذب.
ذات مرة، سألته عن سر سعادتهم رغم بساطة عيشهم، فنظر إلي بعينين تلمعان بنور الحكمة وقال بصوت رخيم: “يا بني، اعلم أن الله ينظر إلى القلوب لا إلى الصور، هؤلاء الناس في القصبة، لو كشف الله الغطاء عن نياتهم، لوجدتها بيضاء كالحليب، النية هي المركب الذي يعبر بنا بحار الحياة المتلاطمة بسلام،قد يعيب علينا أهل المنطق الفلسفي بعض مظاهرنا، لكنهم لا يملكون ميزان ‘النية’ الذي نزن به الأفعال، سر سعادتهم هو الرضا، والرضا ثمرة اليقين بأن الخيرة فيما اختاره الله”.
من هذا المكان “باب مسجدللاخضراء”،تنطلق طوائف قصبة هدراش في مواكب مهيبة، تتوحد فيها وسائل النقل، وتتنوع فيها الأعلام والأوراد، لكن المقصد واحد: المولى إدريس.
يسيرون متبركين، طامعين في قبس من ورع الولي الصالح، قد يبدو الأمر لمنطق العصر الحالي مظاهر لا ترقى الى الحقيقة الربانية ، لكن الواقع أن هؤلاء كانوا يتحركون بقوة دفع “النية” المجردة، والنية، كما علمونا، لا يعلمها إلا الله.
تلك “النية” هي سر هناءهم، ونجاحهم، وصفاء حياتهم.
حين يصل الزوار من أبناء الحي إلى هناك، يجدون كرم القصبة قد سبقهم، يستضافون عند إحدى الطوائف القصباوية المستقرة بعين المكان .
لقد عشت ذاك الموسم، ورأيت الكرم في أبهى صوره، التربية المتجسدة فعلا لا قولا، تجد الترحيب الحار ينسيك بساطة المأكل والملبس والمسكن، سقف الغرفة قد يكون منخفضا، لكن قلوب المستضيفين تتسع للكون.
“الترحاب”هو العنوان العريض للحياة، والأساس الروحي الذي لا يتزعزع.
وتظل قصبة هدراش، بأناسها الذين رحلوا والذين بقوا، قمة في التربية والعطاء، لم تكن مجرد جدران، بل كانت مدرسة للروح،
قصبة هدراش علمتنا أن الحياة، رغم قسوتها، تصبح جنة حين تعاش بقلب سليم، ونية صادقة، وعطر ذكر لا ينقطع.
