أخبار مكناس 24 – ابو مروان
في زمن تتسارع فيه التحولات ، وتتداخل فيه الثقافات ، وتتغير فيه أنماط التفكير والتواصل ، تزداد الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم الهوية والانتماء ، ليس باعتبارهما مجرد مفاهيم مرتبطة بالماضي ، وإنما باعتبارهما عنصرين أساسيين في بناء الإنسان والمجتمع والدولة .
فالمجتمعات التي تمتلك وعيا راسخا بهويتها تكون أكثر قدرة على مواجهة التحولات ، وأكثر ثقة في الانفتاح على العالم ، بينما تظل المجتمعات التي تفقد صلتها بذاكرتها وقيمها عرضة للارتباك وفقدان البوصلة .
ومن هنا ، فإن وحدة الهوية وقوة الانتماء لا تمثلان مجرد شعار وطني ، وإنما تشكلان أساسا من أسس التماسك المجتمعي والاستقرار ، ومصدرا من مصادر القوة الناعمة والصلابة الداخلية للدولة .
و لقد اختار المغرب ، بحكم تاريخه وتراكمه الحضاري ، أن يجعل من تعدد روافد هويته عنصر غنى وتكامل ، لا عامل انقسام وتنازع .
وقد كرس دستور المملكة هذا التصور بوضوح عندما أكد أن الهوية المغربية تتميز بتبوؤ الدين الإسلامي مكانة الصدارة ، وبالتشبث بالوحدة الوطنية والترابية ، وباللحمة الوطنية ، وبالتعددية والانفتاح على مختلف الروافد الحضارية والثقافية .
وهذا التصور الدستوري يقدم فهما متقدما للهوية : هوية جامعة لا تلغي التنوع ، ووحدة لا تعني التنميط ، وانفتاح لا يعني الذوبان .
فالمغربي يستطيع أن يكون معتزا بخصوصيته الثقافية ، ومنفتحا في الوقت نفسه على العالم ؛ قادرا على الجمع بين الأصالة والمعاصرة ، وبين الوفاء للذاكرة والانخراط في المستقبل .
و إن قوة الهوية لا تقاس بقدرتها على الانغلاق ، وإنما بقدرتها على الاستمرار والتجدد .و أكيد أن الهوية الوطنية المغربية تستند إلى ثوابت راسخة تشكل إطارا جامعا لمختلف مكونات المجتمع ، وفي مقدمتها الدين الإسلامي ، والوحدة الوطنية والترابية ، والملكية الدستورية ، والاختيار الديمقراطي .
ولا تكمن أهمية هذه الثوابت فقط في بعدها المؤسساتي ، وإنما أيضا في قدرتها على توفير أرضية مشتركة للعيش الجماعي، وترسيخ الاستقرار ، وضمان استمرارية الدولة ومؤسساتها .فالهوية الوطنية ، حين ترتبط بثوابت واضحة وذاكرة تاريخية مشتركة ، تتحول إلى عامل من عوامل التماسك ، وتمنح المجتمع قدرة أكبر على تجاوز الاختلافات الظرفية والتحديات العابرة .
ومن هنا ، فإن الحفاظ على وحدة الهوية ليس مسؤولية الدولة وحدها ، بل هو مسؤولية مشتركة تتقاسمها الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ، والمؤسسات الثقافية والمجتمع المدني ، وكل الفاعلين في الحياة العامة .
و إذا كانت الهوية تجيب عن سؤال: من نحن؟ فإن الانتماء يجيب عن سؤال أكثر عمقا : ماذا نقدم للوطن الذي ننتمي إليه ؟
فالانتماء الحقيقي لا ينبغي أن يبقى مجرد إحساس وجداني يظهر في المناسبات الوطنية ، وإنما يجب أن يتحول إلى سلوك يومي وممارسة مواطنة .
أن تحب وطنك يعني أن تحترم قوانينه ، وتحافظ على مرافقه ، وتتقن عملك ، وتحترم الآخر ، وتدافع عن المصلحة العامة ، وتساهم في التنمية، وتؤدي واجباتك كما تطالب بحقوقك .
وبهذا المعنى ، يصبح الانتماء قوة إنتاجية وأخلاقية ، وليس مجرد شعور عاطفي .
فالأوطان لا تحتاج فقط إلى مواطنين يحبونها ، وإنما تحتاج إلى مواطنين يعملون من أجلها و يضحون في سبيلها.
و لا يمكن ترسيخ الهوية وتقوية الانتماء من دون إعطاء التربية مكانتها المركزية .
فالمدرسة ليست مجرد مؤسسة لتلقين المعارف ، وإنما هي فضاء لصناعة المواطن وبناء الوعي وتشكيل الشخصية .
ومن ثم ، فإن التربية على المواطنة ، واحترام القانون ، والاعتزاز بالثقافة الوطنية ، واحترام التنوع ، وقبول الاختلاف، وترسيخ المسؤولية، ينبغي ألا تظل مجرد مضامين نظرية ، بل أن تتحول إلى ممارسة تربوية يومية .
كما أن التربية على الهوية لا تعني تقديم الماضي في صورة جامدة ، وإنما تعني مساعدة الأجيال الجديدة على فهم تاريخها ، واستيعاب حاضرها ، والمساهمة في صناعة مستقبلها .
فالطفل الذي يعرف تاريخ وطنه ، ويحترم رموزه ، ويفهم تعدد روافده الثقافية ، ويتعلم معنى المسؤولية ، يصبح أكثر قدرة على بناء علاقة متوازنة مع وطنه ومع العالم .
و إذا كانت المؤسسات تحافظ على استمرارية الدولة ، فإن الثقافة تحافظ على ذاكرتها .
فالأدب والموسيقى والمسرح والفنون والتراث والعمارة والحرف التقليدية ليست مجرد مظاهر جمالية ، وإنما هي مكونات أساسية للذاكرة الجماعية .
ومن هنا ، فإن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الهوية ، وحماية التراث هي حماية لجانب من شخصية المجتمع ، وتشجيع الإبداع هو تجديد مستمر للهوية .
والهوية التي لا تنتج ثقافة جديدة معرضة لأن تتحول إلى مجرد متحف للماضي .
لذلك ، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تمكين الأجيال الجديدة من اكتشاف تراثها بلغة معاصرة ، وربط الثقافة الوطنية بالتكنولوجيا والإبداع والاقتصاد والصناعات الثقافية .
فالمواطن الذي يشعر بأن وطنه يوفر له فرصا عادلة في التعليم والعمل، ويضمن له الكرامة ، ويحمي حقوقه ، ويتيح له المشاركة ، يكون أكثر استعدادا للثقة في مؤسساته والانخراط في مشروعه المجتمعي .
وفي المقابل ، فإن المواطن الذي يشارك في التنمية ويحترم القانون ويحافظ على الممتلكات العمومية ويساهم في خدمة مجتمعه، يصبح شريكا حقيقيا في بناء وطنه .
وهنا تلتقي المواطنة بالتنمية : فلا تنمية مستدامة من دون مواطن مسؤول، ولا يمكن ترسيخ انتماء قوي من دون سياسات تنموية تعزز الكرامة وتكافؤ الفرص والعدالة المجالية والاجتماعية، و هو الأمر الذي أكد عليه جلالة الملك حفظه الله في العديد من خطبه و توجيهاته السامية .
و يظل الشباب الحلقة الأكثر أهمية في معادلة الهوية
و الإنتماء . فالشباب اليوم يعيش في عالم مفتوح ، تتدفق فيه الأفكار والثقافات والمعلومات بسرعة غير مسبوقة . ولم يعد ممكنا بناء الانتماء من خلال الخطاب التقليدي وحده .
فالجيل الجديد يحتاج إلى خطاب وطني حديث ، قادر على مخاطبة أسئلته وطموحاته ، وعلى تقديم الهوية باعتبارها مصدرا للثقة والإبداع ، لا باعتبارها عبئا من الماضي .
ومن هنا ، تبرز أهمية إنتاج محتوى ثقافي ورقمي وطني قادر على المنافسة ، وتقديم التاريخ والتراث والقيم الوطنية بلغة يفهمها الشباب ويتفاعلون معها .
فالرهان ليس على أن نمنع الشباب من الانفتاح على العالم ، وإنما على أن نجعلهم ينفتحون على العالم وهم واثقون من أنفسهم و قدراتهم ومن إمكانات وطنهم .
والوحدة لا تعني غياب الاختلاف ، بل تعني القدرة على إدارة الاختلاف داخل إطار جامع .
فالمجتمع القوي ليس هو المجتمع الذي لا يختلف أفراده ، وإنما هو المجتمع الذي يمتلك من القيم والمؤسسات والمرجعيات المشتركة ما يجعله قادرا على تحويل الاختلاف إلى حوار بناء ، والتنوع إلى غنى ، والتعدد إلى قوة .
ومن هنا ، فإن وحدة الهوية تشكل نوعا من المناعة المجتمعية التي تساعد على مواجهة خطابات التفكك والكراهية والإقصاء .و دون شك أن أخطر ما يمكن أن يحدث للهوية هو أن تتحول إلى مجرد احتفال بالماضي .
فالهوية الحية هي التي تتجدد باستمرار ، وتستوعب التحولات ، وتنتج المعرفة والثقافة ، وتمنح الأجيال الجديدة مكانا داخل مشروعها الوطني .
والمغرب، بما راكمه من تاريخ عريق وتنوع ثقافي وحضاري ، يمتلك عناصر قوية لبناء هوية وطنية حديثة ، قادرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة ، وبين الوفاء للجذور والانفتاح على المستقبل .
وهذا يقتضي أن ننتقل من مجرد الحديث عن الهوية إلى الاستثمار فيها ؛ ومن الاحتفاء بها في المناسبات إلى جعلها جزءا من السياسات العمومية في التربية والثقافة والإعلام والتنمية .
إن وحدة الهوية وقوة الانتماء ليستا مجرد قضيتين ثقافيتين أو وجدانيين ، بل هما قضية مجتمع ودولة ومستقبل .فالهوية تمنحنا الجذور ، والانتماء يمنحنا الدافع ، والقيم تمنحنا البوصلة ، والمؤسسات تمنحنا الإطار ، والتنمية تمنح المواطن الأمل في المستقبل .
ومن هنا ، فإن بناء مغرب قوي ومتماسك لا يمر فقط عبر الأوراش الاقتصادية والاجتماعية على أهميتها ، وإنما يمر أيضا عبر بناء الإنسان المغربي الواثق من ذاته ، المعتز بهويته ، المنفتح على العالم، والمؤمن بأن المواطنة مسؤولية قبل أن تكون امتيازا .إن وحدة الهوية لا تعني أن نكون متشابهين ، وإنما أن نكون مختلفين داخل وطن واحد .
وقوة الانتماء لا تعني فقط أن نقول إننا نحب الوطن ، وإنما أن نثبت ذلك بالعمل والمسؤولية والالتزام .
فحين تتحول الهوية إلى وعي ، والانتماء إلى ممارسة ، والمواطنة إلى سلوك ، يصبح التماسك المجتمعي قوة حقيقية ، ويصبح الوطن مشروعا مشتركا تتقاطع فيه ذاكرة الأجيال مع طموحات المستقبل .
