تلبس العاصمة الإسماعيلية مكناس حلتها البهية مع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف، معلنةً عن انطلاق احتفالية روحية وتاريخية تجعل منها واحدة من أبرز وأعرق المدن التاريخية في المملكة المغربية. فبين أسوارها الضخمة ومآذنها الشامخة، تجتمع عراقة التاريخ مع أريج النبوة، لتتحول المدينة إلى قبلة تستقطب آلاف الزوار والمريدين القادمين من كل فج عميق للعيش في رحاب أجواء صوفية واستثنائية تجسد العبقرية العمرانية والروحية للمغرب الأصيل.
وفي قلب هذا الزخم الروحي، برز اسم الشيخ الهادي بنعيسى، الملقب بـ”الشيخ الكامل”، العلامة والمتصوف الإدريسي الحسني (872 هـ/1467 م – 933 هـ/1526 م)، الذي جمع بين علوم الشريعة والتفسير والفقه بجامع القرويين بفاس، وبين التربية السلوكية والتصوف على يد كبار أقطاب زمانه. وقد أرسى الشيخ الكامل بمكناس دعائم الطريقة العيساوية، إحدى أكبر الطرق الصوفية بالمغرب العربي وأوسعها انتشاراً، حيث امتاز منهجه بالإصلاح الاجتماعي وإطعام الطعام ونشر قيم التسامح والذكر، ليظل ضريحه الشهير مركز إشعاع روحي وتراثي عالمي مسجل ضمن قائمة التراث الإنساني لليونسكو.
وتكتسي الاحتفالات هذا العام رونقاً خاصاً بفضل الصورة الجمالية الأنيقة التي أصبحت عليها المدينة العتيقة بمكناس بعد الانتهاء من الشطر الأول من برنامج تثمينها وهيكلتها. فقد استعادت الأنسجة العمرانية التاريخية بريقها، وتزينت دروبها بالمعمار المغربي الأصيل، لتبدو أزقتها التاريخية في أبهى حلة؛ بدءاً من حي “النجارين” العريق، مروراً بحركية “قبة السوق”، وصولاً إلى شارع “السكاكين” وشارع “البزازين”، وانتهاءً بساحة ضريح “الشيخ الكامل” التي غدت الفضاء الأبرز لاستقبال الوفود وجماعات الذكر، في مشهد يمزج بين سحر التراث وعظمة الذكرى.
وتتحول منازل المدينة القديمة ورياضاتها إلى ملاذات روحانية تحيي “الليالي العيساوية” الربانية التي تمتد طيلة أيام الموسم. وتتداخل في هذه الديار نفحات الذكر والجذبة والحضرة الصوفية، بمشاركة طوائف عيساوية أصيلة قادمة من مختلف المدن المغربية كمكناس، وفاس، وسلا، والرباط، إلى جانب وفود وطوائف صوفية توافدت من دول عربية شقيقة كتونس وليبيا، في تلاحم إسلامي وروحي يجسد المكانة الدولية التي تحظى بها الطريقة العيساوية والامتداد المغاربي والعربي لشيخها الكامل.
ولا تقتصر هذه الذكرى على تجلياتها الروحية، بل تصنع دينامية اقتصادية واجتماعية استثنائية تنعش شرايين المدينة العتيقة؛ حيث يتصدر “سوق الهديم” الشهير المشهد التجاري بحركيته غير المسبوقة، إذ يتزين بمختلف أشكال وأنواع الحلويات المغريّة، وعروض الزيتون بمختلف أصنافه، والتمور بجل أنواعها وأشكالها التي يقبل عليها الزوار بشغف، إلى جانب الانتعاش القوي الذي يشهده قطاع الإيواء من فنادق ودور ضيافة وكراء للمنازل، والتجارة بالجلابيب التقليدية والمأكولات المحلية.
وهكذا، تظل مكناس العاصمة الإسماعيلية نموذجاً فريداً لمدينة حية تتنفس تاريخاً وتفيض روحانية، حيث تجتمع بين أسوارها الشامخة نفحات المولد الروحية بعنفوان الحياة الاقتصادية والاجتماعية. إن هذا النجاح التنظيمي والرونق الذي تشهده المدينة يعود الفضل فيه إلى الجهود المتواصلة والميدانية التي يبذلها عامل عمالة مكناس، السيد عبد الغني الصبار، من خلال حرصه الدؤوب على السهر والوقوف على كل صغيرة وكبيرة تهم شؤون المدينة. وبفضل هذه العناية والمتابعة عن قرب، تؤكد مكناس مجدداً أنها ستظل دوماً الحاضنة الوفية للذكر والتصوف، والوجهة التي تجسد بأبهى صورها عمق المغرب الحضاري ودفء ضيافته الإسماعيلية الخالدة.
