
أخبار مكناس 24 – أبو مروان
أعاد الاقتصادي الإسباني المعروف سانتياغو نينيو بيسيرا قضية سبتة ومليلية المحتلتين إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي في إسبانيا، بعد طرحه، عبر سلسلة من المنشورات على منصة «إكس» بين 1 و4 شتنبر 2026، قراءة مستقبلية مثيرة للجدل بشأن مصير المدينتين، خلص فيها إلى أن السؤال، في تقديره، لم يعد يتعلق بما إذا كانت إسبانيا ستغادرهما، وإنما بمتى يمكن أن يحدث ذلك. وقد حظيت هذه التصريحات باهتمام صحيفة «La Razón»، التي تناولتها في عددها الصادر في 5 شتنبر الجاري.
وتتجاوز أهمية هذا الطرح، في الواقع، شخص صاحبه أو مدى دقة توقعه الزمني، لتكمن أساسا في السياق الذي ظهر فيه. فأن يتحول مستقبل مدينتين مغربيتين تعتبرهما الدولة الإسبانية جزءا من ترابها الوطني إلى موضوع لتحليل اقتصادي وجيوسياسي داخل الفضاء الإعلامي الإسباني، يعكس أن الملف، رغم ثبات الموقف الرسمي لمدريد، لم يعد منفصلا عن التحولات العميقة التي تعرفها المنطقة والعلاقات المغربية الإسبانية.
ويربط “بيسيرا” قراءته بمسار تاريخي يعتبر أن المغرب، منذ استرجاع استقلاله سنة 1956، واصل العمل من أجل استكمال وحدته الترابية. ومن هذا المنظور، يرى أن قضية سبتة ومليلية ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها وضعا نهائيا غير قابل للتحول، وإنما ضمن دينامية تاريخية أطول تتداخل فيها اعتبارات السيادة والجغرافيا والمصالح الاستراتيجية وتغير موازين القوى.

ويستند هذا التصور إلى فكرة أساسية في العلاقات الدولية مفادها أن الأوضاع الجيوسياسية لا تظل دائما ثابتة، وأن التحولات الكبرى في موازين القوة والتحالفات قد تعيد، على المدى الطويل، فتح ملفات ظلت لعقود خارج دائرة التفاوض. غير أن إسقاط هذه القاعدة على سبتة ومليلية المحتلتين يظل، بطبيعة الحال، مسألة تحليلية تقود إلى استنتاج قانوني أو سياسي نهائي مستقبلا .
وفي هذا السياق، يولي “بيسيرا” أهمية خاصة للتحول الذي طرأ على مكانة المغرب في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية والدولية، معتبرا أن المملكة الشريفة أصبحت فاعلا إقليميا يتمتع بوزن متزايد في عدد من الملفات الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية. وقد شكل الاعتراف الأمريكي سنة 2020 بسيادة المغرب على صحرائه نقطة تحول مهمة في موقع القضية داخل العلاقات الدولية، كما ساهم في تعزيز موقع الرباط لدى عدد من شركائها الدوليين.
ولا يمكن فصل هذا التطور عن التحول الأوسع في العلاقات المغربية الأوروبية والإسبانية على وجه الخصوص. فقد انتقلت العلاقات بين الرباط ومدريد خلال السنوات الأخيرة من مرحلة اتسمت بأزمات دبلوماسية متكررة إلى مستوى أعلى من التعاون والشراكة، خصوصا في المجالات الاقتصادية والأمنية والهجرة. غير أن هذا التقارب لم يؤد إلى اختفاء الخلاف حول سبتة ومليلية المحتلتين ، بل جعل إدارة الملفات الخلافية أكثر ارتباطا بمنطق الحوار والمصالح المتبادلة.
وفي المقابل، يظل الموقف الإسباني الرسمي واضحا في رفض إدراج سيادة المدينتين ضمن أي مفاوضات مع المغرب. فقد أكدت مدريد في غشت 2026 أن وضع سبتة ومليلية غير قابل للتفاوض، وهو ما يبرز الفارق بين الخطاب الرسمي للدولة وبين القراءات الفردية التي بدأت تتناول احتمال تغير الوضع مستقبلا.
ومن اللافت أن إعادة طرح قضية السيادة تزامنت مع توترات جديدة حول سبتة ، أعادت المدينة المحتلة إلى صدارة الاهتمام السياسي والإعلامي الإسباني. وقد أظهرت أزمة الهجرة التي شهدتها المدينة خلال يوليوز 2026 هشاشة بعض التوازنات المرتبطة بموقعها الجغرافي الاستثنائي، كما أعادت إلى الواجهة النقاش حول طبيعة العلاقة بين المدينة والمغرب باعتباراها جزءا لا يتجزء من التراب الوطني المغ بي، وحول مدى قدرة الوضع القائم على الصمود أمام التحولات الإقليمية.
وفي هذا الإطار، تكتسب تصريحات “بيسيرا ” بعدا إضافيا ، لأنها لا تأتي في فراغ سياسي أو جيوسياسي، وإنما في لحظة تتقاطع فيها عدة عوامل: تنامي الأهمية الاستراتيجية للمغرب، التطورات المتلاحقة في ملف الصحراء المغربية، إعادة ترتيب العلاقات المغربية الإسبانية، وتصاعد النقاش حول مستقبل الأمن والهجرة في غرب المتوسط.
كما أن استحضاره لحالتي سيدي إفني والصحراء المغربية يدخل ضمن محاولة لإبراز أن التاريخ يقدم أمثلة على تغير أوضاع ترابية وسياسية كانت تبدو في مراحل معينة مستقرة ونهائية.
والأهم من ذلك أن التحولات المرتبطة بالصحراء المغربية قد يكون لها تأثير غير مباشر في النقاش المستقبلي حول سبتة ومليلية. فكلما تعززت مكانة المغرب في محيطه الدولي، وكلما اتسعت دائرة الدول التي تدعم مقترح الحكم الذاتي باعتباره أساسا لحل قضية الصحراء المغربية، أصبح من الصعب النظر إلى المغرب باعتباره مجرد طرف إقليمي محدود التأثير. وهو ما قد يدفع، على المدى الطويل، إلى إعادة صياغة عدد من الملفات العالقة بينه وبين شركائه الأوروبيين ضمن رؤية أكثر واقعية لموازين القوى والمصالح.
أكيد أن أهمية تصريحات “نينيو بيسيرا” تكمن في أنها تضع أصبعها على سؤال قد يصبح أكثر حضورا في السنوات المقبلة: هل تستطيع الوضعية الحالية لسبتة ومليلية أن تبقى بمنأى عن التحولات التي يعرفها غرب المتوسط وشمال إفريقيا، وعن الصعود المتواصل للمغرب كقوة إقليمية وشريك استراتيجي للقوى الكبرى؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحددها التصريحات الإعلامية ، ولا المواقف الانفعالية الإسبانية ، وإنما ستتوقف على مسار طويل من التحولات الدبلوماسية والاقتصادية والاستراتيجية. غير أن التاريخ السياسي يعلمنا أن القضايا الترابية لا تبقى دائما على حالها، وأن التحولات الكبرى تبدأ في كثير من الأحيان بتغير طريقة التفكير في القضية قبل أن تصل إلى مرحلة تغير الواقع نفسه.
ومن هذه الزاوية، فإن القيمة الأبرز لتصريحات الاقتصادي الإسباني لا تكمن في إعلان موعد محتمل لنهاية الوجود الإسباني في سبتة ومليلية المحتلتين ، وإنما في أنها تعكس بداية انتقال النقاش، ولو بشكل محدود، من سؤال «هل يمكن أن يتغير الوضع؟» إلى سؤال أكثر استراتيجية: «ما الذي يمكن أن يجعل الوضع القائم قابلاً لإعادة النظر؟».
وهنا تحديدا تكمن أهمية التحولات الجيوسياسية التي يعرفها المغرب ومحيطه الإقليمي والدولي؛ فالمستقبل قد لا يُحسم بمنطق القطيعة أو المواجهة، وإنما عبر تراكم طويل للتحولات في موازين المصالح والتحالفات والوقائع، بما يجعل قضية سبتة ومليلية واحدة من الملفات التي ستظل مفتوحة على احتمالات متعددة في أفق إعادة تشكيل العلاقات بين المغرب وإسبانيا ومستقبل غرب المتوسط.
إن ملف استرجاع المغرب لمدنه وجزره المحتلة يُدار بمنطق الحكمة والتبصر والعقلانية، بعيداً عن الانفعالات السياسية أو المزايدات الإعلامية، انطلاقا من قناعة راسخة بأن القضايا الوطنية الكبرى تُعالج بالنفس الاستراتيجي وبالعمل الدبلوماسي الهادئ والمتدرج. فسبتة ومليلية والجزر المغربية المحتلة، بما تستند إليه المطالبة المغربية من مرتكزات تاريخية وجغرافية وقانونية، تظل جزءا لا يتجزأ من المجال الترابي للمملكة المغربية. ومن ثم، فإن من يرفعون في إسبانيا شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان مطالبون بأن يتعاملوا مع هذا الملف بالقدر نفسه من الموضوعية والواقعية، وألا يحاولوا حجب حقيقة تاريخية وجغرافية واضحة وراء ثوابت سياسية لا يمكن أن تلغي منطق التاريخ ولا حقائق الجغرافيا .

