أخبار مكناس 24 – أبو مروان
تكتسي العودة إلى خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس حفظه الله في 30 يوليوز 2002 أهمية خاصة في ظل عودة قضية سبتة ومليلية المحتلتين إلى واجهة النقاش المغربي الإسباني. فالخطاب الملكي السامي يشكل مرجعية رسمية واضحة لفهم ثوابت الموقف المغربي، ويؤكد أن قضية المدينتين والجزر المجاورة ليست وليدة ظرف سياسي عابر ، وإنما امتداد لموقف مغربي متواصل منذ الاستقلال .
فقد أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله أن المغرب لم يتوقف عن المطالبة بإنهاء الاحتلال الإسباني لهذه المناطق، لكنه شدد، في الوقت نفسه، على أن الرباط اختارت التبصر والنهج السلمي والحضاري، مستحضرة مبادرة الملك الراحل الحسن الثاني أكرم الله مثواه الرامية إلى إنشاء خلية تفكير مغربية إسبانية مشتركة للبحث عن حل لهذا الإشكال. وهنا تتجلى خصوصية المقاربة المغربية : ثبات في المبدأ ، وانفتاح في الوسيلة، وتغليب للحوار على منطق المواجهة.
ولم ينظر خطاب العرش لسنة 2002 إلى سبتة ومليلية باعتبارهما مجرد قضية حدودية، بل ربط استمرار الوضع القائم بتداعيات اقتصادية وأمنية واجتماعية، من بينها الهجرة السرية وبعض الممارسات غير المشروعة. وهو ما يمنح الملف بعدا يتجاوز البعد التاريخي والسيادي إلى رهانات الاستقرار والمصالح المشتركة بين البلدين.
وتكتسب هذه المرجعية راهنيتها اليوم، بعدما أعادت تصريحات سياسية مرتبطة بالسياق الانتخابي قضية سبتة ومليلية إلى صدارة النقاش في إسبانيا، وما رافقها من توضيحات رسمية أكدت أن التصريحات الظرفية لا تعني بالضرورة تغيير الموقف الرسمي للدولة المغربية. وهنا تبرز أهمية التمييز بين ثوابت الدولة وتعبيرات اللحظة السياسية.
فالعلاقات المغربية الإسبانية شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورا لافتا نحو شراكة استراتيجية وتعاون متزايد في ملفات متعددة، غير أن ذلك لم يُسقط القضايا التاريخية والسيادية من أجندة البلدين. ولذلك، فإن التحدي الراهن لا يكمن في التساؤل عما إذا كان الموقف المغربي قد تغير، وإنما في كيفية تدبير هذا الموقف الثابت داخل علاقة ثنائية أصبحت أكثر تشابكا وأهمية.
وفي هذا السياق، يبدو خطاب العرش لسنة 2002 أكثر من وثيقة تاريخية ؛ إنه يقدم منطقا لا يزال صالحا لقراءة الحاضر : ثبات في الموقف، وهدوء في التدبير، وحوار في معالجة الخلاف. وإذا كانت التطورات الأخيرة قد أعادت سبتة ومليلية المحتلتين إلى دائرة التجاذب السياسي والإعلامي، فإن الرهان الحقيقي يظل في قدرة الرباط ومدريد على إبقاء هذا الملف ضمن إطار الحوار الاستراتيجي ، بما يحفظ ثوابت كل طرف ويمنع القضايا العالقة من تحويل الشراكة المغربية الإسبانية إلى ساحة مواجهة دائمة.
و دون شك أن سبتة ومليلية والجزر المحتلة ليست، في المنظور المغربي، مجرد قضية عالقة بين دولتين، بل جزء من تراب المملكة تؤكده اعتبارات التاريخ والجغرافيا والذاكرة الوطنية، وتؤطره الشرعية القانونية والسياسية للمطالبة بإنهاء وضع الاحتلال. ومن ثم، فإن المطلوب اليوم ليس تجاهل هذا الواقع أو تأجيله إلى ما لا نهاية، وإنما التعامل معه بمنطق التاريخ والتحولات الجيوسياسية؛ فاستمرار الوضع القائم لا يمكن أن يلغي حقا تعتبره الرباط ثابتا، ولا أن يوقف مسارا تاريخيا قد يطول زمنه، لكنه لن يفقد وجهته. ولذلك، سيكون على إسبانيا، عاجلا أم آجلا، أن تدرك أن منطق التاريخ والجغرافيا والسيادة يفرض في نهاية المطاف فتح أفق جدي لتسوية هذا الملف، بما يفضي إلى إنهاء وجودها في هذه المناطق في إطار تفاوضي سلمي ومسؤول، يحفظ المصالح المشتركة ويؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات المغربية الإسبانية.


