أخبار مكناس 24 – بقلم: متابع للشأن المحلي
مع اختتام الدورة السابعة للمنتدى الدولي للسياحة بمكناس (FITAM 2026)، المنظم تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ، لم يعد مجديا الاكتفاء بالاحتفاء بنجاح التنظيم وتعدد الندوات وحضور الخبراء والمهنيين، بل أصبح من الضروري طرح سؤال أكثر إلحاحا : ما الذي تغير فعليا في المشهد السياحي للعاصمة الإسماعيلية بفضل الدورات السبع ؟ وأين تتجلى المخرجات التي يفترض أن تحول هذا الموعد الدولي من فضاء لتبادل الأفكار إلى رافعة حقيقية للاستثمار والتنمية ؟.
لا يتعلق الأمر بالتقليل من أهمية المنتدى أو إنكار قيمة النقاشات التي يحتضنها، وإنما بوضع التظاهرة في سياقها التنموي الطبيعي، حيث لا تقاس الجدوى بعدد الجلسات المنظمة أو الموضوعات التي جرى تداولها، بل بمدى قدرة المخرجات على الاستجابة للاختلالات القائمة، وإنتاج حلول عملية، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل، وتحسين مؤشرات الإيواء والمبيت والإنفاق السياحي. فبعد سبع دورات، يصبح من المشروع الانتقال من سؤال ماذا ناقش المنتدى ؟ إلى سؤال أكثر جوهرية : ماذا أنجز ، وماذا تغير بفضل ما ناقشه ؟.
إن مكناس لا تعاني خصاصا في المؤهلات التاريخية والحضارية التي يمكن أن تجعل منها وجهة سياحية متميزة ، بل إن رصيدها التراثي، بما يضمه من أبواب تاريخية وأسوار وصهاريج ومعالم مرتبطة بعهد السلطان مولاي إسماعيل، وفي مقدمتها باب المنصور لعلج وصهريج السواني وغيرهما ، يمنحها مقومات تنافسية مهمة. كما شكلت العناية الملكية السامية بالمدينة وتراثها دعامة أساسية لجهود التأهيل وصون الذاكرة الحضارية وإعادة الاعتبار للمدينة التاريخية .
لكن المفارقة التي تستحق المساءلة تتمثل في الفجوة التي قد تفصل بين حجم هذه المؤهلات وبين القدرة على تسويقها و تحويلها إلى نشاط سياحي مستدام ومردودية اقتصادية واضحة. فترميم المعالم التاريخية، على أهميته، لا يكفي وحده لضمان انتعاش السياحة، كما أن تنظيم المنتديات الدولية لا يعوض غياب رؤية تنفيذية تربط التراث بالاستثمار، والإشعاع الثقافي بالإقامة السياحية، والترويج بالإنفاق المحلي. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تكرار عرض ما تزخر به مكناس من مؤهلات ، بل في تفسير أسباب عدم استثمارها بالقدر الذي ينسجم مع قيمتها التاريخية ومكانتها الحضارية.
وتزداد أهمية هذا السؤال حين يتعلق الأمر بمنتدى بلغ دورته السابعة، إذ يفترض أن يسمح تراكم التجارب واللقاءات والخبرات بالانتقال من مرحلة التشخيص العام إلى مرحلة أكثر تقدما، قوامها تحديد الأولويات، وصياغة المشاريع، وبناء الشراكات، وتتبع الالتزامات. أما إذا ظلت الإشكالات نفسها تتكرر في النقاشات، من ضعف الترويج إلى محدودية الإقامة السياحية والحاجة إلى الاستثمار، من دون أن تقترن بحصيلة معلنة وخطة تنفيذية واضحة، فإن السؤال عن القيمة المضافة للمنتدى يصبح سؤالا مشروعا لا يمكن تجاوزه بالحديث عن أهمية التظاهرة في حد ذاتها.
إن جوهر النقد هنا لا يتعلق بغياب الأفكار، بل بمدى تحويل الأفكار إلى نتائج. فما قيمة التوصيات إذا لم تحدد الجهات المكلفة بتنفيذها؟ وما جدوى الإعلان عن فرص الاستثمار إذا لم تترجم إلى مشاريع واضحة؟ وما أثر اللقاءات المهنية إذا لم ينتج عنها تعاون قابل للتتبع بين المستثمرين والفاعلين المحليين؟ ثم ما الذي يمنع من تقديم حصيلة تراكمية للدورات السابقة توضح ما تحقق، وما تعثر، وما لم يغادر بعد مرحلة الاقتراح؟.
إن هذه الأسئلة تضع مخرجات المنتدى أمام اختبار الشفافية والنجاعة. فمن حق الرأي العام المحلي والمهنيين معرفة عدد المشاريع التي ساهمت الدورات السابقة في إطلاقها، وحجم الاستثمارات المرتبطة بها، وفرص الشغل التي أحدثتها، وعدد الشراكات التي دخلت حيز التنفيذ. كما أن من حقهم الاطلاع على مدى انعكاس هذه اللقاءات على الطاقة الإيوائية، وليالي المبيت، ونسب إشغال المؤسسات الفندقية، وحركة الزوار، ومداخيل الأنشطة المرتبطة بالسياحة.
وإذا كانت هذه المعطيات غير متاحة أو لم يجر نشرها في حصيلة واضحة، فإن ذلك يجعل تقييم الأثر التنموي للمنتدى أمرا صعبا، ويحد من قدرة المتابعين والمهنيين على التمييز بين النتائج الفعلية والتوقعات المعلنة. فالمطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة على حصيلة التظاهرة، وإنما توفير الأدلة التي تسمح بتقييمها بموضوعية، وتحديد مدى مساهمتها في التنمية المحلية.
وتبرز إشكالية أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في استمرار التحدي المرتبط بالانتقال من سياحة العبور إلى سياحة الإقامة. فأن يزور السائح بعض معالم مكناس لساعات ثم يغادرها نحو وجهة أخرى، يختلف اقتصاديا عن أن يقيم بها ليلة أو أكثر، ويستهلك خدمات الفنادق والمطاعم، ويزور فضاءاتها الثقافية، ويقتني منتجات الصناعة التقليدية، ويستفيد من خدمات المرشدين والنقل السياحي. فالفارق بين الحالتين لا يتعلق فقط بمدة الزيارة، بل بحجم القيمة الاقتصادية التي تظل داخل المدينة.
ومن ثم، فإن نجاح أي منتدى سياحي ينبغي أن يقاس أيضا بمدى مساهمته في معالجة هذه المعضلة، من خلال تطوير منتوج متكامل يجعل مكناس وجهة تستحق الإقامة، لا مجرد محطة في مسار سياحي أوسع. ويتطلب ذلك برامج عملية تربط المعالم التاريخية بالمطبخ المحلي والفنون والتظاهرات الثقافية والمسارات المنظمة، إلى جانب تحسين خدمات الإيواء والنقل والإرشاد والتسويق الرقمي. أما الاكتفاء بتجديد الحديث عن غنى التراث المكناسي، من دون تحويله إلى تجربة سياحية متكاملة، فلن يكون كافيا لإحداث التحول المطلوب.
ولا يمكن، في المقابل، الجزم بوجود ركود شامل في القطاع الفندقي أو ضعف مستمر في نسب المبيت من دون الاستناد إلى بيانات حديثة ومقارنة. لذلك يصبح نشر المؤشرات السياحية المحلية ضرورة أساسية، ليس فقط لتقييم المنتدى، وإنما لفهم واقع القطاع وتحديد حاجياته الفعلية، وتوجيه الاستثمارات نحو المجالات التي يمكن أن تحقق أثرا اقتصاديا أكبر.
ويطرح هذا الوضع أيضا مسألة موقع الفاعلين المحليين في منظومة المنتدى. فأرباب الفنادق والمطاعم، والمرشدون السياحيون، ومهنيو النقل، والصناع التقليديون، وأصحاب المشاريع الثقافية والترفيهية، هم من يفترض أن يلمسوا الأثر المباشر لأي انتعاش سياحي. لذلك لا ينبغي أن يظل حضورهم محصورا في المشاركة الرمزية أو الاستماع إلى التوصيات ، بل يجب أن يمتد إلى تحديد الإشكالات، وصياغة الحلول، وبناء الشراكات، وتقييم النتائج.
كما أن الإعلام الترابي مطالب بأن يكون جزءا من هذه الدينامية، من خلال تتبع ما يعلن عنه المنتدى، والتحقق من تنفيذ الالتزامات، ونقل انتظارات المهنيين والساكنة، ومساءلة الجهات المعنية عن الحصيلة. فالتغطية الإعلامية التي تكتفي بأخبار الافتتاح والاختتام وتصريحات المشاركين لا تستنفد الوظيفة المهنية للإعلام، كما أن النقد الموضوعي لا يستهدف التظاهرة في حد ذاتها، بل يسعى إلى تعزيز مردوديتها وربطها بالمصلحة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.
وبعد سبع دورات، تبدو الحاجة ملحة إلى نشر حصيلة تراكمية واضحة للمنتدى، تتضمن ما تحقق من توصيات ومشاريع وشراكات ، وما تعثر منها وأسباب ذلك، مع تحديد الأولويات المقبلة وفق جدول زمني ومسؤوليات معلنة. كما ينبغي ربط كل دورة بأهداف قابلة للقياس، حتى لا تتكرر النقاشات نفسها من دون أن يتضح ما إذا كانت قد أسهمت في تغيير الواقع السياحي.
إن المطلوب اليوم ليس دورة أخرى تعيد تعداد المؤهلات السياحية لمكناس، ولا نقاشا جديدا يكتفي بتشخيص الإكراهات المعروفة، بل مرحلة عملية تضع الاستثمار والإقامة السياحية وفرص الشغل في صلب الأولويات. مرحلة يصبح فيها نجاح المنتدى مرتبطا بقدرته على تحويل توصياته إلى مشاريع ، ومشاريعه إلى نتائج ، ونتائجه إلى قيمة مضافة يشعر بها المهنيون والساكنة.
فمكناس لا تحتاج إلى مزيد من الخطاب حول ما تمتلكه من مؤهلات ، بقدر ما تحتاج إلى إجابات واضحة عن كيفية استثمارها . ولا يكفي أن يحظى المنتدى بإشعاع دولي إذا لم يكن لهذا الإشعاع مسار واضح نحو الاقتصاد المحلي، كما لا يكفي أن تتجدد الندوات سنويا إذا لم تتجدد معها آليات التنفيذ والتقييم والمساءلة.
أكيد أن الرهان الحقيقي للدورة السابعة لا يكمن في اختتام أشغالها، بل في ما سيأتي بعدها. فإما أن تتحول مخرجاتها إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة تقوم على الالتزامات والمشاريع والمؤشرات، وإما أن يظل السؤال عن الجدوى التنموية لهذه الدورات مطروحا في انتظار حصيلة موثقة تقنع الرأي العام والفاعلين بأن النقاش قد غادر القاعات إلى الميدان.
فبعد سبع دورات ، لم تعد مكناس في حاجة إلى من يعدد مؤهلاتها السياحية بقدر حاجتها إلى من يقدم حصيلة استثمارها؛ ولم يعد كافيا أن نعرف ما ناقشه المنتدى، بل أصبح من الضروري أن نعرف ماذا أنجز، وما الذي تغير في واقع السياحة بالعاصمة الإسماعيلية .

