أخبار مكناس 24 – متابعة ذ.برعي محمد
هبت نسائم العاصمة الإسماعيلية مشبعة بعبق التاريخ، حاملة في طيّاتها رائحة البارود المعتّق وندى الياسمين البرّي المتسلّق على أسوار مكناس العتيقة، تلك الأسوار التي شيّدت لتناطح الدهر وترد عوادي الزمان.
هناك، في الجهة الجنوبية الشرقية حيث تتهادى ظلال النخيل طيّعة للريح وتتقاطع دروب الذاكرة، تتربّع «قصبة هدراش»—أو القصبة الصغيرة—رابضة كحارسٍ أسطوري شاخ جسده ولم تنمْ بصيرته، يحصي أسرار ماض عركته الدماء والبيعة.
لم تكن بصمة القائد هدراش البخاري لتُخطّ بمحض الصدفة على ألواح القدر؛ فقد تشكّلت ملامحه الأولى على إيقاع زبد المحيط الأطلسي الهادر في مراسي سلا، حيث يلدغ الملح الوجوه السمراء وتروي الصواري حكايات المغيب البعيد.
هناك، تحت الجناح الصارم للأدميرال عبد الله بن عائشة الأندلسي، قضى الفتى صباه بين خرائط المدّ والجزر وأزيز المدافع. لم يكن ابن عائشة مجرد معلّم، بل كان رجلا صهرته دهاليز الدبلوماسية وأهوال الجهاد البحري وسفيراجال في بلاط فرساي وناظر ملوك الغرب بعين لا تطرف.
في ذلك المختبر الخشن، تشرّب هدراش حنكة الملاّحين الذين يرصدون اضطراب الريح قبل هبوب العاصفة، وعقلية المحارب الذي لا يرى في البحر إلا طريقا نحو النصر أو الفناء.
وحين حملت رياح الغرب توصية ابن عائشة إلى مسامع السلطان المهيب، المولى إسماعيل، التقت النظرات في حضرة البلاط. كان السلطان خبيرا بالرجال، يقرأ في عيونهم مواضع الثبات كما يقرأ الفارس خطو جواده، فرأى في هدراش صخرة قدّت من صبر السواحل لتستقر في قلب البرّ. ألقى إليه بمقاليد الحامية الجنوبية؛ فما كان لعرشٍ يبنيه إسماعيل إلا أن تحرسه زنود البخاريين التي أقسمت ألا تنثني، ورجال أُرضعوا الولاء صنوانا للشهادة.
تحوّلت القصبة على يديه من حجرٍ وطين إلى كائن ينبض باليقظة والحياة، على مرمى البصر تماهت رايات الأوداية الأشداء في خطوط الدفاع، واصطفّت الخيول الصافنات في إسطبلاتها تضرب الأرض بحوافر تترقب النفير، بينما بقيت مقبرة «الحصيني» المتقدّمة فاصلاً شاهداً بين عوالم الأحياء وعوالم الشهداء، وكأنها مرآة تذكّر كل فارسٍ يمتطي صهوته بأن المجد ظل زائل والوفاء هو الباقي.
داخل تلك الحصون، تجلّت عبقرية القائد؛ هيبة بحرية تطوي بين طيّاتها قلبا يتسع لرعيته. كان هدراش صمام الأمان ووتد الخيمة، يشرف على الحراسة بصرامة الصقر، لكنه يحمل في صدره وفاء لا يلين للسلطان والدولة، يرى في الطاعة ميثاقاً روحيا لا يُنقض. ومع كرّ الغزوات واستتباب الأمن، ذاب الحديد في طين الأرض؛ تزوّج الحراس من بنات البلد، وزُرعت النوى لتغدو بساتين، وتحوّل القائد الصارم إلى أب وسند، تجتمع عند عتبته مشايخ القبائل لفضّ الخصومات، بينما تصدح في باحته تراتيل الذكر وأذكار البردة ودعوات حفظ الثغور.
غابت شمس تلك العهود، لكن الأثر عصيّ على الزوال. اليوم، حين تطأ أقدام العابرين دروب القصبة الصغيرة في هجيع الليل، لا يرى العابر المتعجّل سوى مداميك طينية أكل الدهر من حوافها؛ غير أنّ من يُرهف السمع ويخلع رداء العجلة، يستشعر في صلابة الجدار هيبة الألوية البخارية، ويسمع في صفير الريح بين الشقوق صدى صريف الأشرعة وهي تمخر ليل الأطلسي، لتظل قصبة هدراش نبضة حيّة ترفض الاندثار، وعهدا مسبوكا بالدم والبارود، نقش في لحم مكناس فلا يمحوه غبار السنين….
*@ تنويه* :
هذا النص سرد أدبي يستند في وقائعه إلى ملامح من تاريخ مكناس في العهد الإسماعيلي، صِيغ بتصرّف فني وتخييل يستحضر أرواح الشخوص وحقائق العصر دون إخلالٍ بجوهر الحقيقة التاريخية
*المراجع المعتمدة بتصرف* :
*الكتاب: إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس
المؤلف: ابن زيدان عبد الرحمن بن محمد السجلماسي (1290-1365هـ)
المحقق: الدكتور علي عمر، بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية.
*كتاب : رحلة الأسير مويط ترجمه إلى العربية : د.محمد حجي و د. محمد الأخضر Germain Mouette الناشر : دار المناهل للطباعة والنشر المملكة المغربية، وزارة الثقافة، مركز الدراسات والبحوث العلوية، الريصاني / 1990م


