كشف مشروع قانون المالية لسنة 2027، عقب تقديمه من طرف وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية أمام مجلسي البرلمان، عن توجهات وإصلاحات جوهرية تروم إعادة التوازن للمنظومة الاقتصادية والاجتماعية في مستهل الولاية الحكومية الجديدة برئاسة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري. ويأتي هذا المشروع كحلقة أولى ضمن برنامج عمل ممتد على مدى خمس سنوات لتنفيذ الالتزامات الحكومية، مراهناً على تحقيق نسبة نمو اقتصادي تبلغ 3.7% خلال سنة 2027، إلى جانب رفع معدل النمو في سنة 2026 إلى 4.7%، وتقليص عجز الميزانية إلى 3% من الناتج الداخلي الخام مع ضبط نسبة المديونية في حدود 66.9%.
وتتصدر قائمة التدابير المتضمنة في المشروع حزمة من الإجراءات الهادفة إلى دعم القدرة الشرائية وحماية الطبقة المتوسطة وحمايتها من تآكل الدخل بفعل الغلاء، وفي مقدمتها المراجعة التدريجية للضريبة على الدخل بين سنتي 2027 و2031. وتعتمد هذه المراجعة على رفع حد الشطر الصافي المعفى من الضريبة من 40,000 إلى 60,000 درهم سنوياً، وتخفيض عدد الأشطر من خمسة إلى ثلاثة (بنسب 10%، 20%، و30%)، مع تقليص السعر الهامشي الأعلى من 37% إلى 30%، وهو ما يتيح إعفاء الأجور الصافية التي تقل عن 10,000 درهم شهرياً ويرفع نسبة الفئات المعفاة إلى 87%. كما يخصص المشروع مليار درهم لإعادة هيكلة مسالك توزيع اللحوم والأسماك وتحديث أسواق الجملة، فضلاً عن تحمل الدولة لفواتير الكهرباء المتساوية أو الأقل من 100 درهم شهرياً لفائدة زهاء 6 ملايين زبون بكلفة 2.8 مليار درهم.
وعلى صعيد الحماية الاجتماعية والتقاعد، ينص المشروع على الرفع التدريجي للحد الأدنى لمعاشات التقاعد إلى 3,000 درهم شهرياً ليصل كمرحلة أولى إلى 1,700 درهم سنة 2027 لفائدة 500 ألف متقاعد ومتقاعدة، مع مراجعة نسبة المعاش المحول للأرامل بالرفع من 50% إلى 100% لفائدة نحو 431 ألف أرملة. وإلى جانب تخصيص أكثر من 10 مليارات درهم لمواكبة إصلاح أنظمة التقاعد، تقرر رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر بمقدار 100 درهم سنة 2027 ليصل إلى 1,000 درهم في نهاية الولاية، مع تحول تدريجي نحو اعتماد حساب الدخل الفعلي للأسر في الاستهداف بدل المؤشر السوسيو-اقتصادي، وإيلاء عناية خاصة لمغاربة العالم والمسنين والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة لترسيخ اندماجهم في الحياة الاجتماعية.
وفي مجالات الخدمات العمومية والتشغيل، يخصص المشروع 10.4 مليارات درهم لمواصلة برنامج الدعم المباشر للسكن الذي استفاد منه 128 ألف شخص إلى غاية سبتمبر 2026، مع إطلاق البرنامج المدمج للسكن القروي وتبسيط مساطر التعمير. كما تقرر رصد 25 مليار درهم للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة وإحداث منصات رقمية لتتبع المشاريع، مع تخصيص 1.68 مليار درهم للمرحلة الثانية من برنامج تنمية المراكز القروية الناشئة التي تهم 24 مركزاً. وفي قطاع التشغيل، أُفرد غلاف مالي يناهز 6 مليارات درهم لإطلاق البرنامج الوطني المدمج للشباب (2027-2031) لتكوين 100 ألف شاب سنوياً بحسب حاجات المقاولات وتأهيل 100 ألف آخرين لولوج أول تجربة مهنية، مع مواكبة 12 ألف مقاولة وتفعيل “جواز الحركية المهنية”، ويرتفع بفضل هذه الحزمة الأثر المالي الإجمالي للأولويات الاجتماعية إلى نحو 62 مليار درهم.
كما يعزز المشروع دعائم السيادة الوطنية الشاملة والتحول الرقمي؛ حيث أعلن عن رفع مجهود الاستثمار العمومي الإجمالي إلى 400 مليار درهم برسم سنة 2027 لمواكبة المشاريع الكبرى وتحفيز الاستثمار الخاص الموجه للمقاولات الصغرى والمتوسطة والصغيرة جداً. وتوازياً مع تخصيص استثمارات بقيمة 67 مليار درهم لمشاريع تحلية المياه السطحية، والربط بين الأحواض، والمنظومة الطاقية والهيدروجين الأخضر لتأمين الأمن الغذائي والمائي، ينص المشروع على تسريع السيادة الرقمية والتكنولوجية عبر تعزيز الأمن السيبراني، وإعداد إطار وطني للذكاء الاصطناعي، ودعم المقاولات الناشئة الرقمية لحماية البنيات الحيوية. وعلى صعيد الإصلاح المؤسساتي وتجويد الخدمات، يتجه المشروع نحو تسريع تنزيل اللاتمركز الإداري، ورفع التحويلات المالية للجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداءً من 2027، مع تسريع رقمنة القضاء، وتحديث المساطر الإدارية، وتفعيل الرسمية للأمازيغية، وإعادة هيكلة المحفظة العمومية لتعزيز نجاعتها ومردوديتها.

