:
يتناول هذا المقال حياة ومسيرة العداء الهاوي المغربي، طه العلام، الملقب بـ “طويهرة”، الذي بزغ نجمه في أوساط رياضة ألعاب القوى بمدينة مكناس خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. و يُعد العلام نموذجًا بارزًا للمواهب الرياضية المحلية التي لم تحظ بالدعم المؤسسي اللازم، مما أدى إلى تهميشها وانزوائها رغم الإمكانات الكبيرة التي أظهرها في سباقات المسافات المتوسطة والطويلة والعدو الريفي.و يسعى هذ المقال إلى تحليل العوامل التي ساهمت في عدم استثمار موهبة هذا العداء، وتبيان الآثار السلبية لغياب الدعم الرسمي على مسيرته الرياضية وحياته الاجتماعية .

فلقد نشأ طه العلام في حي بني امحمد بمدينة مكناس، وبرز كعداء موهوب يتمتع بقدرات بدنية لافتة في سباقات 1000 متر و5000 متر والعدو الريفي. وعلى الرغم من تفوقه النسبي في المنافسات المحلية، إلا أنه مارس رياضته بشكل عصامي، مفتقرًا إلى التجهيزات الأساسية، والإشراف التدريبي المتخصص، والاحتضان الرسمي من قبل الفرق والمؤسسات الرياضية المعنية، وعلى رأسها الجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى و والجماعة الترابية والسلطات المحلية.
ولقد اتسمت التدريبات اليومية لطه العلام بطابعها الفردي والارتجالي، حيث كان يعتمد على مسار غير رسمي يمتد بين حلبة الأكاديمية العسكرية وصهريج الصواني. هذا المسار، الذي اكتسب دلالة رمزية كـ “مضمار للا اعتراف”، يعكس التحديات التي واجهها العداء في سعيه لتطوير قدراته بمعزل عن أي بنية تحتية رياضية رسمية أو دعم مؤسسي. وقد شكل مروره اليومي جزءًا مألوفًا من المشهد الحضري، وشهد على مثابرته في وجه الظروف والتحديات الصعبة.
و تؤكد شهادات مقربين وفاعلين في المشهد الرياضي المحلي على الموهبة الاستثنائية التي كان يتمتع بها طه العلام والإجحاف الذي لحق به نتيجة غياب الدعم والاعتراف:
فشهادة صديق قديم تبرز عزيمة العداء وإصراره على ممارسة رياضته رغم الظروف المادية المتواضعة، مع الإشارة إلى الإمكانات التي كانت تؤهله للانضمام إلى المنتخب الوطني.
و شهادة رياضي من نفس الجيل تشدد على تفوقه الواضح في السباقات المحلية بفضل موهبته الفطرية، مع الإعراب عن الأسف لعدم تمكنه من الوصول إلى المستوى الوطني بسبب التهميش.
أما شهادة صحفي رياضي محلي تشير إلى الشهرة التي حققها على المستوى الجهوي رغم افتقاره للتجهيزات الأساسية، مع التأكيد على التقصير الإعلامي والمؤسسي في حقه.
واليوم يعيش طه العلام وضعًا اجتماعيًا صعبًا، بعيدًا عن الأضواء الرياضية ودون أي التفاتة من الجهات المسؤولة حيث تمثل قصته نموذجًا لما يمكن أن تؤول إليه مسيرة رياضيين موهوبين يفتقرون إلى الدعم والرعاية اللازمين. إنها تجسيد لفقدان طاقات كان من الممكن أن تساهم في رفع مستوى الرياضة الوطنية وتمثيل البلاد في المحافل الدولية.
أكيد أن قصة طه العلام “طويهرة” تعد بمثابة دراسة حالة مؤلمة تسلط الضوء على إشكالية إهمال المواهب الرياضية المحلية في المغرب. إذ يكشف مساره عن الحاجة الماسة إلى تطوير آليات فعالة لاكتشاف ورعاية الرياضيين الناشئين في مختلف المناطق، وتجاوز المركزية في توزيع الدعم والاهتمام. و إن استحضار أمثال “طويهرة” وتحليل أسباب تهميشهم يمثل خطوة ضرورية نحو بناء منظومة رياضية أكثر عدلا و إنصافًا وشمولية، تضمن استثمار الطاقات الوطنية الشابة وتحقيق إمكاناتها الكاملة بما يخدم الرياضة بمختلف أنواعها إقليميا وجهويا و وطنيا .
دون شك أن قصة ” طويهرة ” يتردد صداها في قلب مدينة مكناس، كنموذج للعداء المنسي، وكمثال مؤثر على إشكالية إهدار المواهب الرياضية المحلية. حيث تتجاوز حكايته حدود السيرة الذاتية مسلطة الضوء على ثغرات في منظومة الدعم و على مركزية الاهتمام وتجاهل الكفاءات في المناطق النائية . وإن مثابرته اللافتة في وجه الإهمال تجسد قوة الشغف والإرادة، بينما يمثل مصيره دعوة صريحة لمساءلة المؤسسات المعنية و مؤكدة على أهمية الاعتراف وتقدير وتثمين كل جهد يسهم في رفع راية الوطن عاليا.
