أخبار مكناس 24 – أبو مروان
يُجسّد القفطان المغربي أحد أبرز التعبيرات الحضارية التي راكمها المغرب عبر قرون طويلة ، بوصفه لباسًا تقليديا تجاوز وظيفته الجمالية ليغدو رمزا للهوية الثقافية المغربية ومرآة تعكس غنى الذاكرة الجماعية للمجتمع المغربي . فالقفطان ليس مجرد زيّ احتفالي ، بل هو منظومة فنية متكاملة تتداخل فيها الحرف التقليدية ، والرموز الاجتماعية ، والذوق الجمالي ، بما يجعل منه تراثا حيّا قادرا على التطور والتجدد دون أن يفقد أصالته أو “حمضه النووي الثقافي” الذي يميّزه عالميا.
وقد استطاع القفطان المغربي ، على امتداد تاريخه ، أن يحافظ على جوهره الأصيل رغم التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها العالم المعاصر. فبينما انفتح على تجارب إبداعية حديثة من حيث القصّات والألوان والخامات ، ظلّ وفيًا لمرجعياته التقليدية القائمة على الصناعة اليدوية الدقيقة ، والزخرفة المتقنة ، وفنون التطريز التقليدي مثل “الطرز الفاسي و الطرز الرباطي” و“التنبات” و“السفيفة” و“العقاد”، وهي عناصر تمنحه خصوصيته الفنية وتجعله مختلفا عن باقي الأزياء التقليدية في العالم العربي والمتوسطي .
وفي هذا السياق ، شكّل إدراج “القفطان المغربي: الفن والتقاليد والمهارات” ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى منظمة اليونسكو UNESCO محطة تاريخية فارقة في مسار الاعتراف الدولي بالهوية الثقافية المغربية . وقد أكدت المنظمة الأممية أن القفطان المغربي يمثل إرثا ثقافيًا حيا تنتقل معارفه ومهاراته عبر الأجيال، من خلال الحرفيين والمعلمين والصناع التقليديين الذين حافظوا على تقنيات صناعته وأساليب زخرفته المتوارثة .
و إن هذا التصنيف الأممي لا يكرّس فقط القيمة الرمزية للقفطان المغربي ، بل يعكس أيضا الاعتراف الدولي بقدرة المغرب على صون تراثه اللامادي وتثمينه ضمن رؤية ثقافية تجعل من التراث رافعة للهوية والتنمية الثقافية والاقتصاد الإبداعي . فالقفطان المغربي أصبح اليوم سفيرا ثقافيا للمملكة في المحافل الدولية ، وحاضرا بقوة في عروض الأزياء العالمية والمهرجانات الدولية ، حيث يثير إعجاب المصممين والباحثين والمهتمين بالأزياء التراثية الراقية .
ولا يمكن الحديث عن إشعاع القفطان المغربي دون الوقوف عند الإسهامات الكبيرة للمصممات والمصممين المغاربة الذين نجحوا في تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الأصالة والتحديث . فقد استطاع هؤلاء المبدعون أن يمنحوا القفطان نفسًا معاصرا دون المساس بروحه التراثية ، فحوّلوه من لباس تقليدي محلي إلى قطعة فنية عالمية تستقطب اهتمام دور الموضة والمنابر الثقافية الدولية . كما ساهمت التظاهرات الفنية المتخصصة ، وعلى رأسها عروض “القفطان” بالمغرب وخارجه ، في ترسيخ حضوره كأحد أبرز رموز الأناقة المغربية .
غير أن هذا التألق ما كان ليتحقق لولا الجهود المتواصلة لفئة واسعة من “المعلمين” والصناع التقليديين الذين يشكلون العمود الفقري لهذه الصناعة التراثية . فداخل الورشات التقليدية العتيقة في مدن مثل مكناس ، فاس ، الرباط و مراكش ، تستمر الأيادي الحرفية في نسج خيوط الإبداع المغربي بدقة وصبر، محافظة على تقنيات تقليدية توارثتها الأجيال . فهؤلاء الحرفيون لا يمارسون مجرد مهنة ، بل يحملون ذاكرة ثقافية حية تسهم في حماية أحد أهم مكونات الهوية المغربية .
وفي موازاة ذلك ، يبرز الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تثمين القفطان المغربي باعتباره مكوّنا أساسيا من مكونات الجاذبية الثقافية والسياحية للمغرب ، من خلال دعم الصناعات التقليدية وتشجيع الحرفيين والمبدعين على تطوير منتوجاتهم وفق رؤية تجمع بين الأصالة والانفتاح على الأسواق الدولية .
كما تضطلع وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة بدور مهم في دعم التعاونيات النسائية والحرف التقليدية المرتبطة بصناعة القفطان ، بما يسهم في تعزيز التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء الحرفيات ، والحفاظ على المهن التراثية باعتبارها رافعة للتنمية المحلية والاقتصاد التضامني .
ومن جهتها ، تواصل وزارة الثقافة والشباب والتواصل جهودها في صون التراث الثقافي المغربي اللامادي ، عبر دعم المبادرات الثقافية والتظاهرات الفنية والمعارض التي تبرز غنى القفطان المغربي وتاريخه العريق ، فضلا عن مواكبة ملفات تسجيل التراث المغربي داخل الهيئات الدولية المختصة .
ويتعزز هذا المسار بالمجهودات الكبيرة التي تقوم بها دار الصانع باعتبارها مؤسسة وطنية رائدة في الترويج للصناعة التقليدية المغربية ، حيث ساهمت بشكل فعّال في التعريف بالقفطان المغربي داخل المعارض والأسواق الدولية ، ودعم الحرفيين والصناع التقليديين ، وتشجيع الابتكار في إطار احترام الخصوصية الثقافية المغربية.
لقد أثبت القفطان المغربي قدرته الاستثنائية على مقاومة التماثل الثقافي الذي تفرضه العولمة ، إذ حافظ على شخصيته المتميزة رغم التحولات المتسارعة التي يشهدها عالم الموضة. فبين الحداثة والأصالة ، ظل القفطان المغربي نموذجا حيا لتراث يتطور باستمرار دون أن ينفصل عن جذوره الحضارية العميقة ، وهو ما جعله يحظى بمكانة عالمية باعتباره تعبيرا فنيا وإنسانيا عن عبقرية الثقافة المغربية وتنوعها ، وعن قدرة المغرب على تحويل تراثه إلى قوة ناعمة بما يعزز إشعاعه حضاريا وثقافيا عبر العالم .
