أخبار مكناس 24 – بقلم أبو مروان
في التجربة المسرحية المغربية والعربية ، يبرز المبدع عبد الحق الزروالي بوصفه أحد الأسماء التي لم تكتفِ بإنتاج عروض مسرحية ، بل سعت إلى مساءلة مفهوم الإبداع ذاته وإعادة التفكير في علاقة الكاتب بالنص ، والممثل بالفعل المسرحي ، واللغة بالجسد . فمشروعه لا يقوم على التمثيل بوصفه تقنية فنية فحسب ، بل باعتباره تجربة وجودية تنفتح على أسئلة الكينونة والكتابة والهوية . ضمن هذا السياق ، تتخذ مقولته « أنا لا أكتب… بل أُنكتب » طابعا يتجاوز البلاغة ليصبح مفتاحًا لفهم رؤيته الجمالية والفكرية .
أكيد أن هذه العبارة تقوم على انقلاب دلالي واضح في بنية الفعل الإبداعي ؛ إذ تنتقل من ذات فاعلة تمارس الكتابة إلى ذات مفعول بها داخلها . فبدل أن يكون الكاتب مصدرا للمعنى ، يصبح مجالا تتشكل داخله اللغة . هذا التحول يزعزع التصور الكلاسيكي الذي يضع المؤلف في مركز العملية الإبداعية ، ويقربنا من أطروحة رولان بارت حول “ موت المؤلف ”، حيث لا يعود الكاتب مرجعًا نهائيا للدلالة ، بل مجرد عنصر داخل شبكة نصية مفتوحة على التعدد والتأويل .
غير أن خصوصية تصور الزروالي تكمن في أنه لا يكتفي بإزاحة سلطة المؤلف ، بل يقلب العلاقة برمتها ، بحيث تتحول الذات إلى موضوع للكتابة . فالفعل “ أُنكتب ” لا يعني فقط أن النص مستقل عن إرادة الكاتب ، بل يعني أن الكتابة تمارس فعلها على الكاتب نفسه ، فتعيد تشكيله من الداخل . وهنا تقترب المقولة من التصورات التفكيكية عند جاك دريدا ، التي ترى أن النص لا يخضع لبنية ثابتة ، وأن المعنى يتولد دائما عبر الاختلاف والتأجيل ، مما يجعل السيطرة النهائية على الخطاب أمرا مستحيلا .
وعلى مستوى أكثر عمقا ، يمكن قراءة هذه الرؤية ضمن أفق قريب من الفكر الوجودي والشعري عند غاستون باشلار ، حيث لا تفهم الكتابة باعتبارها تقنية تعبيرية ، بل باعتبارها تجربة داخلية كثيفة ، تتداخل فيها الذاكرة بالخيال والانفعال بالحدس . فالمبدع هنا لا يفرض النص بوعي كامل ، بل يجد نفسه منخرطا في عملية تتجاوزه ، وكأن اللغة تسبقه وتستدعيه بدل أن يصوغها بشكل كامل .
و هذا التصور يجد امتداده الطبيعي في التجربة المسرحية لعبد الحق الزروالي ، خصوصا في اشتغاله على المسرح الفردي ، حيث يذوب الحد الفاصل بين المؤلف والممثل . فالمسرح لا يقوم على نص مكتوب بشكل نهائي ، بل يتشكل داخل لحظة الأداء ، حيث يصبح الجسد هو الحامل الأساسي للمعنى . و في هذا السياق ، تتحول الحركة والصوت والحضور إلى شكل من أشكال الكتابة الحية ، ويغدو النص حدثا يُنتَج أمام الجمهور لا بنية مغلقة مسبقة .
ومن هنا يمكن وضع تجربة الزروالي في حوار ضمني مع التحولات الكبرى التي عرفها المسرح الأوروبي في القرن العشرين . فعند أنطونان أرتو، يتم تفكيك سلطة النص لصالح مسرح يقوم على الجسد والصرخة والإيقاع الحسي ، حيث تصبح اللغة المكتوبة عاجزة عن احتواء كثافة التجربة المسرحية . هذا التصور يتقاطع مع الزروالي في نقد مركزية النص ، لكنه يختلف عنه في أن الكتابة عند الزروالي لا تُلغى ، بل تُعاد صياغتها داخل الجسد .
أما عند جيرزي غروتوفسكي ، فإن مفهوم “ المسرح الفقير ” يقوم على تقليص العناصر الخارجية كافة لصالح الممثل بوصفه جوهر الفعل المسرحي . وهنا نجد تقاطعا واضحا مع تجربة الزروالي من حيث مركزية الجسد و بساطة الوسائط ، غير أن الاختلاف الجوهري يكمن في أن الجسد عند الزروالي لا يكتفي بالأداء ، بل يتحول إلى فضاء للكتابة المستمرة ، أي إلى نص حيّ في حالة تشكل دائم ، لا إلى كيان مُجرّد يسعى إلى التطهير .
بهذا المعنى ، يمكن اعتبار مقولة “ أُنكتب ” صياغة مكثفة لمسرح يتجاوز الفصل التقليدي بين الكتابة والأداء . فالنص لا يوجد خارج الجسد ، بل يتولد داخله ، ويتغير مع كل لحظة تمثيل . وهذا ما يمنح التجربة الزروالية خصوصيتها داخل المسرح المغربي ، حيث تتقاطع المرجعيات المحلية المستمدة من فن ” الحلقة” و ” الحكواتي ” مع التأثيرات العالمية للمسرح التجريبي ، في تركيب فني مفتوح على التعدد .
وعلى مستوى ثقافي أوسع ، يمكن قراءة هذه المقولة باعتبارها تعبيرا عن توتر المثقف المعاصر أمام تحولات الكتابة في العصر الرقمي ، حيث أصبحت النصوص تُنتج بسرعة وتُستهلك بالسرعة نفسها ، مما يهدد العمق التأملي الذي كان يرافق الفعل الإبداعي . و في هذا السياق ، تأتي “ أُنكتب ” كنوع من إعادة الاعتبار لفكرة أن الكتابة ليست إنتاجا تقنيا سريعا ، بل تجربة داخلية تتأسس على البطء ، والانغماس ، والتوتر الوجودي .
مدون شك أن مقولة عبد الحق الزروالي تكشف عن تصور مركب للكتابة باعتبارها فعلا يتجاوز السيطرة الواعية ، ويضع الذات داخل حركة لغوية تتخطاها باستمرار . فالكاتب لم يعد مركز الإنتاج ، بل أصبح جزءا من دينامية النص ، يكتب بقدر ما يُكتب ، ويُعاد تشكيله داخل اللغة بقدر ما يسعى إلى تشكيلها . وهكذا تتحول الكتابة من فعل إرادي بسيط إلى تجربة وجودية مفتوحة ، يكون فيها السؤال الأعمق: ليس كيف نكتب ؟ ، بل كيف تكتبنا اللغة ذاتها ؟