اخبار مكناس24 – هيئة التحرير
في سياق التحولات التي يشهدها تدبير الشأن المحلي بالمغرب ، لم يعد نجاح المسؤول الترابي أو المنتخب المحلي يقاس فقط بحجم المشاريع المهيكلة التي يشرف عليها ، بل أصبح يقاس كذلك بقدرته على الإنصات لانشغالات المواطنين والتفاعل السريع مع القضايا اليومية التي تؤثر بشكل مباشر على جودة عيشهم . ومن هذا المنطلق ، يكتسي التدخل الذي قام به السيد العباس الومغاري، رئيس مجلس جماعة مكناس، لإعادة تأهيل حديقة “التضامن 2” بحي المنصور ، أهمية تتجاوز معالجة وضعية مرفق عمومي محلي، لتلامس جوهر فلسفة التدبير الترابي الحديث القائم على القرب والتجاوب السريع والنجاعة .
و لقد شكلت حديقة التضامن 2، على امتداد سنوات، فضاء اجتماعيا وبيئيا يحتضن أنشطة الأطفال والأسر ويؤدي وظيفة حيوية داخل النسيج الحضري للحي. غير أن تراجع مستوى العناية بهذا الفضاء خلال الفترة الأخيرة أدى إلى ظهور مؤشرات واضحة على الإهمال ، الأمر الذي أثار استياء الساكنة وطرح تساؤلات حول آليات التتبع والصيانة المفترض أن تضمن استمرارية المرافق العمومية في أداء وظائفها الاجتماعية والبيئية .
وفي هذا الإطار ، جاء تدخل رئيس جماعة مكناس السيد العباس الومغاري ، مرفوقا بالسيد جواد مهال نائب الرئيس ، استجابة مباشرة لمطالب الساكنة ونداءات الفاعلين المحليين ، حيث تم الوقوف الميداني على الوضعية وإعطاء الانطلاقة لأشغال التنقية والصيانة وإعادة التأهيل . وهي خطوة تحمل دلالات مهمة على مستوى الممارسة التدبيرية ، لأنها تعكس وعيا متزايدا بأهمية الحضور الميداني للمسؤول المحلي وعدم الاكتفاء بالتقارير الإدارية أو المعطيات المكتبية .
و إن قيمة هذا التدخل لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة المتمثلة في إعادة الاعتبار لفضاء عمومي مهم ، بل تتجلى أيضا في الرسالة المؤسساتية التي يحملها ، ومفادها أن الإدارة المحلية مطالبة بالإنصات الدائم للمواطنين والتفاعل مع انتظاراتهم المشروعة . فحين يشعر المواطن بأن صوته مسموع وأن مطالبه تجد طريقها إلى التنفيذ ، تتعزز الثقة في المؤسسات المحلية وتتقوى جسور التواصل بين المنتخبين والساكنة .
ومن زاوية الحكامة الترابية ، يندرج هذا التدخل ضمن ما أصبح يعرف في الأدبيات الحديثة بـ”سياسات القرب”، التي تجعل من المواطن محورا أساسيا للعمل العمومي ، وتعتبر جودة الخدمات المحلية أحد المؤشرات الرئيسية لنجاح التدبير الجماعي . ذلك أن الفضاءات الخضراء لم تعد مجرد مرافق ترفيهية ، بل أضحت مكونات أساسية للمدينة المستدامة ، بما توفره من وظائف بيئية واجتماعية وصحية تسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز التماسك المجتمعي .
وفي مقابل تثمين هذه المبادرة ، تبرز الحاجة إلى استخلاص الدروس المؤسساتية التي تفرضها هذه الواقعة . فالمبدأ السليم في التدبير العمومي يقتضي أن تعتمد الجهات المكلفة بالصيانة والمراقبة مقاربة استباقية قائمة على التتبع المنتظم والتدخل الوقائي قبل تفاقم الاختلالات . إذ لا ينبغي أن تتحول الصيانة الدورية للمرافق العمومية إلى ملف يفرض تدخلا استثنائيا من أعلى مستويات القرار المحلي ، بل يفترض أن تكون جزءا من منظومة عمل يومية محكومة بمؤشرات الأداء والنجاعة والجودة .
كما أن هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة أهمية تعزيز آليات التقييم والمحاسبة داخل منظومة التدبير المفوض ، بما يضمن التزام المتدخلين كافة بالمعايير المهنية المطلوبة ، ويكرس ثقافة المسؤولية وربط الاختصاص بالمردودية الميدانية . فنجاح أي نموذج تدبيري لا يقاس فقط بحجم الموارد المرصودة له ، وإنما بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في محيطه اليومي .
لقد أعادت أشغال التأهيل إلى حديقة التضامن 2 جزءا من رونقها ووظيفتها المجتمعية ، وهو مكسب يحسب لرئاسة جماعة مكناس ولكل المتدخلين الذين ساهموا في معالجة الوضع . غير أن القيمة الحقيقية لهذا الحدث تكمن في كونه يقدم نموذجا عمليا لكيفية تحول التفاعل الإيجابي مع مطالب الساكنة إلى أداة لترسيخ الثقة وتحسين جودة الخدمات المحلية .
وإذا كانت المدن الحديثة تبنى بالمشاريع الكبرى والاستثمارات الاستراتيجية ، فإنها تبنى أيضا بالتفاصيل اليومية التي تلامس حياة المواطنين . ومن هنا تبرز أهمية المبادرات التي تجعل من القرب والإنصات والاستجابة السريعة مرتكزات أساسية للعمل الجماعي . وهي المقاربة التي جسدها تدخل السيد العباس الومغاري في هذه النازلة ، مؤكدا أن تدبير المدينة لا يقتصر على التخطيط واتخاذ القرار، بل يشمل كذلك الحضور الميداني والمتابعة المستمرة والتفاعل المسؤول مع انتظارات الساكنة .
إن مكناس ، بما تختزنه من تاريخ عريق ورأسمال بشري وثقافي متميز ، تبرهن اليوم أن تدبيرها ينبني على نموذج تدبيري يقوم أساسا على الاستباقية والفعالية والإنصات ، وعلى الحرص على أن تحظى ساكنتها بمرافق عمومية في مستوى تطلعاتها ، وبخدمات محلية ترتقي إلى مستوى انتظارات مدينة تسعى بثبات إلى تعزيز مكانتها كواحدة من المدن المغربية الكبرى.
