أخبار مكناس 24 – أبو مروان
في زمن أصبحت فيه الثقافة إحدى أهم أدوات التنمية الترابية ، ومؤشرا أساسيا على دينامية المجالات وقدرتها على إنتاج القيمة المادية والرمزية ، يبرز الاهتمام الذي يوليه عامل عمالة مكناس ، السيد عبد الغني الصبار، للشأن الثقافي باعتباره جزءا من رؤية متكاملة تروم تعزيز جاذبية العاصمة الإسماعيلية وإعادة تموقعها ضمن الخريطة الوطنية والدولية للمدن الثقافية .
وتنبع أهمية هذه الرؤية من وعي متزايد بالدور الذي أصبحت تضطلع به الثقافة في صناعة التميز الترابي ، وتحويل الخصوصيات الحضارية إلى عناصر قوة وإشعاع . ولا يمكن فهم هذا التوجه إلا من خلال المشاريع الثقافية الكبرى القادرة على تحويل الرصيد التاريخي والرمزي للمدينة إلى رافعة للتنمية المستدامة ، وهو ما يجسده بامتياز مهرجان عيساوة الذي بات يشكل أحد أبرز الرهانات الثقافية للعاصمة الإسماعيلية .
وفي هذا السياق ، يكتسي مهرجان عيساوة بمكناس أهمية خاصة ، ليس فقط باعتباره تظاهرة فنية وموسيقية ، وإنما باعتباره مشروعا ثقافيا وتنمويا متكاملا يحمل في طياته رهانات الهوية والاقتصاد والسياحة والدبلوماسية الثقافية . فالفن العيساوي ليس مجرد تعبير فني عابر ، بل يمثل أحد أبرز المكونات الحضارية التي صنعت شخصية مدينة مكناس عبر التاريخ ، وأسهمت في إشعاعها الروحي والثقافي داخل المغرب وخارجه .
وتنبع أهمية هذا المهرجان من كونه يندرج ضمن مقاربة حديثة للتنمية الثقافية تجعل من التراث اللامادي موردا استراتيجيا قابلا للتثمين والاستثمار . فالمهرجان في نسخته المقبلة ، وكما يتصوره السيد عبد الغني الصبار ، يراهن على إعادة الاعتبار لموروث ثقافي ضارب في عمق التاريخ ، والعمل على نقله إلى الأجيال الصاعدة في إطار يجمع بين المحافظة والتجديد ، بما يضمن استمراريته وتطوره في مواجهة التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة .
ومن هذا المنطلق ، يشكل الفن العيساوي جزءا من الذاكرة الجماعية للعاصمة الإسماعيلية وعنصرا مركزيا في هويتها الثقافية . فكما ارتبطت بعض المدن العالمية بأنماط موسيقية أو تعبيرات فنية محددة أصبحت تشكل علامتها المميزة ، فإن مكناس تمتلك بدورها رأسمالا رمزيا فريدا يتمثل في الفن العيساوي ، بما يحمله من أبعاد روحية وجمالية وإنسانية تجعل منه تراثا قادرا على الإسهام في التعريف بالمغرب وبخصوصياته الحضارية والثقافية .
غير أن قيمة هذا التراث لا تكمن فقط في رمزيته الثقافية والوجدانية ، بل تتجاوز ذلك إلى قدرته على إنتاج آثار تنموية ملموسة تجعل من الثقافة موردا اقتصاديا واستثماريا حقيقيا . فبالنسبة للسيد عبد الغني الصبار فإن أهمية مهرجان عيساوة لا تتوقف عند حدوده الثقافية ، بل تمتد إلى أبعاده الاقتصادية والتنموية ، باعتبار أن التظاهرات الثقافية الكبرى أصبحت اليوم تشكل رافعة حقيقية للاقتصاد المحلي من خلال تنشيط قطاعات الإيواء والمطاعم والنقل والتجارة والصناعة التقليدية والخدمات المرتبطة بالسياحة الثقافية .
كما أن استقطاب الزوار من مختلف مناطق المملكة ومن خارجها يساهم في خلق دينامية اقتصادية مهمة تعود بالنفع على مختلف الفاعلين المحليين ، وتفتح آفاقا جديدة للاستثمار والتشغيل ، بما يجعل من الثقافة قطاعا منتجا للثروة والقيمة المضافة ، وليس مجرد مجال للاستهلاك الرمزي أو الترفيه الظرفي .
ومن هذا المنظور ، يصبح الاستثمار في الثقافة استثمارا في جاذبية المجال ذاته ، وهو ما يفسر المكانة التي يحتلها مهرجان عيساوة ضمن استراتيجية الترويج الترابي للعاصمة الإسماعيلية . فالمدينة التي تزخر بمؤهلات تاريخية ومعمارية استثنائية ، وتتوفر على إرث حضاري غني ومتنوع ، تحتاج إلى تظاهرات كبرى قادرة على تحويل هذا الرصيد إلى عنصر جذب دائم ، وإلى وسيلة فعالة للتعريف بمؤهلاتها وإبراز مكانتها داخل المشهد الثقافي الوطني .
وفي هذا الإطار ، يشكل مهرجان عيساوة ، كما أكد على ذلك مؤخرا السيد العامل خلال دورة مجلس العمالة ، فرصة حقيقية لتعزيز مكانة مكناس كوجهة سياحية وثقافية متميزة . فالمهرجان لا يقتصر على تقديم عروض فنية، بل يساهم في بناء صورة إيجابية للمدينة وترسيخ حضورها ضمن خريطة الوجهات الثقافية القادرة على استقطاب الزوار والباحثين عن التجارب الأصيلة المرتبطة بالتراث والهوية .
وإذا كان المهرجان يحقق أثرا محليا على المستويين الاقتصادي والسياحي ، فإن آفاقه تتجاوز المجال المحلي نحو أبعاد أكثر اتساعا ترتبط بموقع المغرب الثقافي في العالم . ولذلك يحرص السيد عبد الغني الصبار على أن يندرج هذا الموعد الثقافي ضمن ما أصبح يعرف بالدبلوماسية الثقافية ، حيث تساهم التظاهرات ذات البعد الدولي في بناء جسور التواصل بين الشعوب والثقافات ، وتعزيز صورة المغرب كبلد للتسامح والتعدد والانفتاح .
فالفن العيساوي ، بما يحمله من قيم روحية وإنسانية وجمالية ، يمتلك من المقومات ما يؤهله ليكون سفيرا ثقافيا للمغرب في مختلف المحافل الدولية ، وقادرا على الإسهام في التعريف بغنى التراث المغربي وتنوعه ، وتعزيز حضوره ضمن المشهد الثقافي العالمي.
وهذا البعد الدولي للمهرجان يفرض الانتقال من منطق التظاهرة الموسمية إلى منطق المشروع الثقافي الاستراتيجي القادر على تحقيق التراكم والاستدامة .
و إذا كانت النسخ السابقة قد نجحت في ترسيخ حضور المهرجان ضمن أجندة التظاهرات الثقافية الوطنية ، فإن الرهان المستقبلي بالنسبة للسيد عامل عمالة مكناس يتمثل في الانتقال من مرحلة التنظيم الناجح إلى مرحلة التموقع الدولي .
فالعالمية ، في التصور الذي يحمله السيد عبد الغني الصبار ، لا تتحقق فقط عبر استضافة فرق أجنبية أو توسيع قاعدة المشاركين المحليين والوطنيين ، بل من خلال بناء مشروع ثقافي متكامل قائم على البحث العلمي والتوثيق الأكاديمي والتكوين والتسويق الثقافي والشراكات الدولية ، بما يضمن للمهرجان إشعاعا دائما وحضورا مؤثرا داخل الشبكات الثقافية العالمية .
وفي هذا السياق ، تبدو الرؤية التي تؤطر مختلف المبادرات الثقافية بعمالة مكناس قائمة على قناعة راسخة بأن الثقافة لم تعد قطاعا هامشيا أو نشاطا مكملا للتنمية ، بل أصبحت أحد مداخلها الأساسية وأحد شروط نجاحها واستدامتها . وهي رؤية تنسجم مع التوجهات الحديثة التي تعتبر الثقافة استثمارا استراتيجيا في الإنسان والمجال والهوية ، ورافعة لإنتاج الثروة الرمزية والمادية في آن واحد .
أكيد أن مهرجان عيساوة ، في التصور الذي يحمله السيد عبد الغني الصبار ، ليس مجرد مناسبة للاحتفاء بفن عريق أو محطة للتنشيط الثقافي الموسمي ، بل هو مشروع ترابي متكامل يسعى إلى تحويل الرأسمال الثقافي لمكناس إلى رافعة للتنمية الشاملة ومصدرا للقوة الناعمة والإشعاع الحضاري . ومن هنا تتقاطع داخل هذا المشروع رهانات متعددة تشمل حماية التراث اللامادي ، وتعزيز الجاذبية السياحية ، وتحفيز الاقتصاد المحلي ، وترسيخ صورة المدينة كفضاء للإبداع والانفتاح والتنوع الثقافي .
وعندما تتوفر الإرادة المؤسساتية ، وتتكامل جهود مختلف الفاعلين العموميين والثقافيين والأكاديميين والاقتصاديين ، يصبح من الممكن أن يتحول مهرجان عيساوة من تظاهرة وطنية ناجحة إلى موعد ثقافي دولي مرجعي يحمل اسم مكناس إلى المحافل العالمية ، ويجعل من العاصمة الإسماعيلية نموذجا مغربيا رائدا في توظيف الثقافة والتراث اللامادي كمدخل للتنمية المستدامة وصناعة المستقبل . ففي عالم تتزايد فيه أهمية القوة الرمزية للأمم والمدن ، لم يعد الاستثمار في الثقافة ترفا ، بل أصبح خيارا استراتيجيا لصناعة المكانة وتعزيز التنافسية وتحقيق الإشعاع الحضاري .
