أخبار مكناس 24 – ابو مروان
يشكل الحديث عن العلاقة بين الشاعر السوري الكبير نزار قباني والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ مدخلا لقراءة واحدة من أبرز محطات التفاعل بين الشعر والغناء في الثقافة العربية المعاصرة . فحين يلتقي شاعر أحدث ثورة في القصيدة العربية الوجدانية بمطرب أعاد تشكيل الذوق والإبداع الغنائي العربي في القرن العشرين ، فإن النتيجة لا تكون مجرد تعاون فني عابر ، بل تجربة إنسانية وإبداعية مركبة تتداخل فيها الأبعاد الوجدانية والفنية والثقافية .
و لقد كان كل من نزار قباني وعبد الحليم حافظ يمثلان ظاهرتين فنيتين مستقلتين في جوهرهما . فالأول نقل القصيدة العربية من فضاءات البلاغة التقليدية إلى لغة يومية شفافة قريبة من وجدان الإنسان العربي ، بينما نجح الثاني في بناء مدرسة غنائية جعلت من الأغنية العربية عملا فنيا متكاملا يجمع بين الكلمة واللحن والأداء الدرامي . ومن ثم فإن اللقاء بينهما لم يكن لقاء شخصين فحسب ، بل لقاء مشروعين ثقافيين كبيرين تداخلا في لحظة تاريخية فارقة .
وقد تجلت أبرز ثمار هذه العلاقة في أعمال خالدة كتب كلماتها نزار قباني وغناها عبد الحليم حافظ بإحساس عميق ، مثل “قارئة الفنجان” و”رسالة من تحت الماء”، حيث تحولت القصيدة إلى تجربة سمعية ووجدانية متكاملة، أعادت تشكيل النص الشعري في فضاء الصوت ، ومنحته حياة تتجاوز حدود الورق إلى الوجدان الجماعي .
غير أن هذه العلاقة لم تكن قائمة على الانسجام التام ، بل عرفت توترا إبداعيا خفيا بين رؤيتين فنيتين مختلفتين . فقد كان نزار قباني شديد الحرص على استقلالية نصه الشعري ، مؤمنا بأن القصيدة كيان جمالي مكتمل بذاته ، في حين كان عبد الحليم حافظ ينطلق من منطق الأداء الغنائي ومتطلباته الجمالية والجماهيرية ، بما قد يستدعي أحيانا إعادة تشكيل النص أو تكييفه مع البنية الموسيقية . ومن هنا نشأت جدلية خفية بين سلطة الشاعر وحرية المؤدي ، وهي جدلية أصيلة في تاريخ الفنون .
وتشير العديد من الشهادات إلى أن هذه العلاقة كانت قائمة أيضا على الإعجاب المتبادل . فقد نظر نزار قباني إلى عبد الحليم حافظ باعتباره صوتا استثنائيا قادرا على إعادة إحياء الشعر ، بينما تعامل عبد الحليم مع نصوص نزار بحساسية فنية عالية ، مدركا قيمتها الأدبية وعمقها الوجداني ، رغم ما كان يرافق ذلك أحيانا من نقاشات فنية حول البناء الغنائي .
وبذلك ، تجاوزت هذه العلاقة حدود التعاون الفني إلى شراكة حضارية أسهمت في تحديث الأغنية العربية ، حيث انتقلت القصيدة من فضاء النخبة إلى الوجدان الجماهيري ، وأصبحت الأغنية وسيطا جماليا لنقل الشعر وإعادة إنتاجه في الوعي الجمعي .
وتحيل هذه التجربة إلى ثنائية مركبة تجمع بين الوجدان والجدل ؛ فالوجدان يتجلى في ذلك الانسجام العاطفي العميق بين الكلمة واللحن ، حيث وجد شعر نزار في صوت عبد الحليم امتدادا حسيا يضاعف تأثيره ، بينما وجد عبد الحليم في قصائد نزار مادة شعرية قادرة على التعبير عن أعمق الانفعالات الإنسانية .
أما الجدل ، فيتجسد في الحوار الخلاق بين النص والأداء ، وبين حرية الشاعر ومتطلبات الغناء ، وهو جدل أنتج دينامية إبداعية أسهمت في ولادة أعمال خالدة .
وإذا كان عبد الحليم حافظ قد رحل سنة 1977 ، فإن الجماهير العربية لا تزال تستحضر تجربته بإكبار ، مدركة أن صوته لم يكن مجرد أداء غنائي ، بل وسيطا جماليا أعاد تشكيل القصيدة في صورة سمعية خالدة . وإذا كان نزار قباني قد رحل سنة 1998 ، فإن حضوره الشعري ما يزال نابضا في الوجدان العربي ، لأن الأعمال الفنية الكبرى لا تخضع لسلطة الزمن ، بل تتحول إلى ذاكرة جماعية تعيد إنتاج نفسها باستمرار .
وفي نهاية هذا المسار التأملي ، لا تبدو علاقة نزار قباني وعبد الحليم حافظ مجرد لحظة عابرة في تاريخ الفن العربي ، بل تبدو أقرب إلى سؤال مفتوح حول طبيعة الإبداع ذاته : هل يولد الفن من صفاء الانسجام أم من توتر الاختلاف ؟ وهل تكتمل الكلمة حين تُكتب ، أم حين تعبر إلى صوت يعيد خلقها من جديد ؟
إن هذه الثنائية تكشف أن الإبداع ليس ملكا خالصا للشاعر ولا حكرا على المؤدي ، بل هو فضاء مشترك تتقاطع فيه الرؤى وتتفاعل ، ثم تتجاوز تناقضاتها نحو مستوى أعلى من الجمال . فالشعر حين يُغنّى لا يفقد هويته ، بل يدخل طورا جديدا من الوجود ، يصبح فيه النص حدثا وجدانيا وسمعيا يتجاوز حدوده الأولى .
ومن هذا المنظور ، يمكن قراءة هذه التجربة باعتبارها درسا نقديا في فلسفة الفن ، حيث لا يعود السؤال : من كتب ومن غنّى؟ بل كيف يتحول الإبداع إلى أثر خالد يتجاوز أصحابه ، ليصبح جزءا من ذاكرة جماعية لا يطالها النسيان.
