هنا، في حي “قصبة هدراش” العتيق، حيث تتنفس الجدران برائحة التاريخ المنسوج من الصبر والطمأنينة، كان للميلود في أيامنا طعم آخر؛ كنا نسميه عيدا، وتتجلى فيه أبهى معاني الفرح الإنساني البسيط.
في الذاكرة الشعبية بكل ألوانها، يتعدد الميلود بتعدد العيون التي تراه؛ فالبعض تتماوج في مخيلته الطقوس والمظاهر الصوفية التي قد تخرج أحيانا عن نطاقها الرباني الخالص، وقليلون هم من يلتفتون إليه كمناسبة روحية متجردة لقراءة القرآن وذكر الله، أما في مخيلة الصغار—وكنت أحدهم—فالميلود يعني شيئا آخر تماما؛ يعني العطلة المشتهاة، “الزردة” الشهية، الحرية المطلقة في الأزقة، ولمة العائلات التي لا تنتهي، لكن هذا العالم الفسيح كله، كان في طفولتي يبدأ وينتهي عند عتبة واحدة: “الدار الكبيرة”.. دار البا القايد.

مع اقتراب المناسبة، كان حي قصبة هدراش يغير جلده تماما، فيخلع ثوب الرتابة ليصبح نابضا بحركة استثنائية صاخبة،لم يكن الزوار الذين يغص بهم الحي غرباء، بل كان جلهم من أبناء القصبة البررة؛ أولئك الذين غادروها واستقروا في مدن أخرى بحثا عن لقمة العيش،كان الميلود بمثابة مغناطيس خفي يوقظ الحنين النائم في ضلوعهم، ويردد في مسامعهم نشيدا واحدا: “الميلود
يلاقيني بحبابي/اللاخضراء لك جينا…))،حينها، كانت تعود الروح الشابة إلى دروب الحي؛ من “درب التوت” إلى “درب القايد ادريس”، ومن “درب للا خضراء” إلى درب “القايد مومو”، مرورا بـ”درب الحاج لحسن”، و”باب الناعورة”، و”درب الصاكة”.. دروب كثيرة كانت تفيض بالحيوية، وتزدحم بضحكات العائدين وذكريات الزمن الجميل، لتغمر المكان سكينة دافئة لا تجدها إلا في أحضان القصبة،كم كان الأمر رائعا والسي خالد يجوب هذه الدروب معلنا عن بداية الموسم ب”غيطته” ذات النغمة العيساوية القصباوية الممزوجة بحضرة الغازية..
خلال السنوات الأولى من حياتي، حيث كنت تلميذا في السنة الأولى ابتدائي،كانت حجرات مدرستنا عجيبة، سقوفها مغطاة بألواح من قصدير؛ إذا حط الطائر فوقها سمعت وقع أقدامه بوضوح، بل كنا نتلذذ ونتنغم بتلك الأصوات التي تصدر فوق رؤوسنا كأنها معزوفة يومية، ورغم بساطة الحال، كنا نقفز فرحا في الساحة حين ينادي “البراح” معلنا عن اقتراب أيام عيد المولد النبوي الشريف.
..أذكر ذلك الصباح من يوم الخميس، في بداية الموسم الدراسي، بكامل تفاصيله المطبوعة في ذاكرتي برائحة الندى. كنت طفلامتحمسا يستعد للذهاب إلى المدرسة، ولم أجد طريقة أودع بها بيتنا إلا بملاعبة عتبته؛ ركلت الباب ركلة ورائية خاطفة لأقفله، تماما كما كان يفعل نجمنا المفضل “عسيلة” برجله اليسرى الساحرة في الملاعب المغربية،في تلك اللحظة، شق هدوء الدرب المزدحم صوت الوالدة، جاءني حازما يتدفق بالحنان والمحبة وهي تناديني: ”بشوية على باب الدار.. اسمع يا ذاك الجن! تخرج من المدرسة ومباشرة إلى دار أمك الغيث.. (الغداء) راه تمّ!”.
أجبتها بالعبارة السحرية المستأنسة التي نرددها جميعا بامتثال مبهج: “وخا.. وخا!”
وطارت روحي فرحا، ولم تسعني الدنيا من السرور؛ فذهابي إلى هناك ، يعني الانعتاق من روتين الأيام، والدخول إلى عالم يفيض بالدفء والكرم وسط ذلك الجمع البهيج نعم هي دار أم الغيث “الزاوية الكبيرة”، ولسان حال الجميع يقول: “الله يعمرها دار”،دار أم الغيث ،السيدة الانيقة لم تكن سيدة عادية، بل كانت ركيزة البيت وزوجة “البا القايد”؛ ذلك الرجل الذي يعد من أعيان الدولة ورجالاتها الكبار ، “البا القايد” شخصية رزينة، يلفه وقار مهيب وهادئ، قليل الكلام، إذا نطق توزن كلماته بميزان الذهب،رجل ليس ككل الرجال، رغم رفعة مقامه وعلو شأنه في مجالس الدولة، إلا أنه خلع كبرياء المنصب على عتبة بيته وجعله “دارا للخير”،في هذا البيت العامر، كان يستقبل المحتاج والفقير والغريب بوجه بشوش مستبشر، يعتني بكل وافد يطأ عتبته.
سبعة أيام كاملة عشناها في ضيافة هذه الزاوية المباركة، نأكل ونشرب ونرتوي من نبع الجود الذي لا ينضب،ولم يكن هذا الكرم حكرا علينا نحن أهل الحي، بل كانت الزاوية محجاحقيقيا وملتقى تذوب فيه المسافات؛ تلتقي تحت سقفها قلوب وفدت من مكناس، وسلا، والرباط، وفاس. تجمعت تلك الأرواح كلها في فضاء واحد، تتقاسم المأكل والمشرب وكل الحكايات الجميلة .
هنا في ذاك المكان كنا نصاحب المادحين وأهل الذكر ممن ترعرعواعلى تلك الطريقة الصوفية_الموردون او خدام الكريقة الصوفية_هكذا كانوا يعرفون انفسهم وهم في نشوة عالية من الانصهار الروحي والنفسي ،ولأننا من المقربين لعائلة “البا القايد”، لم تكن ضيافتنا عابرة أو محدودة كباقي الضيوف؛ بل كانت إقامتنا تطول وتتمدد، نعيش الفرحة في مهدها منذ اللحظة الأولى، ونبقى لنعيش هذا الكرم الباذخ حتى اللحظة الأخيرة من آخر يوم في العيد.
هناك.. من عبق “الزاوية الكبيرة”، ومن ملاذ الوقار في حضرة “البا القايد” وحنان “أم الغيث”، ولدت قصة الميلود الحقيقية، وهناك كتبت أولى سطور ذاكرتي التي لا يموت فرحها أبدا.
