أخبار مكناس 24 – أبو مروان
تكشف التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس عن مضمون الاتصالات التي جمعته بوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، بشأن المواقف الصادرة عن مسؤولين مغاربة حول سبتة ومليلية، عن معطى سياسي ودبلوماسي بالغ الحساسية، يستدعي قراءة متأنية تتجاوز ظاهر التفسير الإسباني للسياق الانتخابي.

فبحسب رواية ألباريس، أبلغ بوريطة نظيره الإسباني بأن التصريحات المعنية صدرت في سياق انتخابي، وأن أصحابها تحدثوا باعتبارهم ممثلين لقوى سياسية، وليس بصفتهم الحكومية، مؤكدا، وفق الرواية الإسبانية، أن تلك المواقف لا تمثل الموقف الرسمي للمملكة. وإذا تأكد هذا المضمون رسميا ، فإن الإشكال لا يكمن فقط في محاولة مدريد احتواء تداعيات تصريحات سياسية مغربية، وإنما في الدلالة التي يمكن أن يحملها توصيف قضية سبتة ومليلية باعتبارها مجرد مواقف حزبية مرتبطة بموسم انتخابي.
فقضية سبتة ومليلية لا تنتمي، في الوعي السياسي المغربي، إلى خانة الملفات الظرفية أو الخلافات الحزبية العابرة، وإنما ترتبط مباشرة بمفهوم الوحدة الترابية للمملكة وبالتصور المغربي المتعلق باستكمال سيادته على كافة أراضيه. ومن ثم، فإن أي خطاب رسمي أو شبه رسمي يوحي بأن المطالبة بمغربية المدينتين مجرد موقف انتخابي أو حزبي، قد يُفهم خارجيا على أنه تراجع عن ثبات مبدئي، حتى وإن لم يكن المقصود منه ذلك.
والأخطر من ذلك أن الرواية الإسبانية تجعل من هذا التفسير أساسا للقول إن الحكومة المغربية لا تتبنى تلك المطالبات. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين أمرين : أولهما أن الحكومة المغربية قد لا تكون بصدد فتح مفاوضات مباشرة مع إسبانيا حول الوضع القانوني للمدينتين في هذه المرحلة ؛ وثانيهما أن عدم فتح مفاوضات حول السيادة لا يعني بالضرورة التخلي عن المبدأ السياسي والتاريخي المتعلق بمغربيتهما .
ففي العلاقات الدولية، هناك فرق جوهري بين تدبير ملف السيادة وفق حسابات دبلوماسية مرحلية وبين إسقاط المبدأ من الخطاب السياسي الرسمي . وقد تختار الدول في لحظة معينة عدم تحويل قضية إقليمية إلى أزمة دبلوماسية، أو اعتماد سياسة التدرج والهدوء والحوار، دون أن يعني ذلك التخلي عن المطالب المرتبطة بسيادتها ووحدتها الترابية.
ومن هذه الزاوية، فإن تصريح ألباريس بأن مدريد “لن تتحدث أبداً” مع المغرب بشأن السيادة على سبتة ومليلية يكشف بدوره عن سقف الموقف الإسباني، ويؤكد أن القضية لا تزال حاضرة بقوة في الحسابات الاستراتيجية الإسبانية. كما أن إعلان مدريد التوجه نحو تعزيز ارتباط المدينتين بالاتحاد الأوروبي وتقوية منظومة الحدود والاقتصاد فيهما يعكس إدراكا إسبانيا بأن مستقبل المدينتين يرتبط، إلى حد كبير، بالتحولات الجيوسياسية في المنطقة وبطبيعة العلاقات المغربية الإسبانية والأوروبية.
وفي هذا السياق، يصبح من المشروع طرح سؤال جوهري : هل يكفي أن توصف التصريحات المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية بأنها صدرت في “سياق انتخابي” حتى تفقد دلالتها المرتبطة بقضية السيادة ؟
الجواب من منظور سياسي واستراتيجي ينبغي أن يكون أكثر تعقيدا . فالسياق الانتخابي قد يفسر توقيت التصريحات وحدتها، لكنه لا يلغي بالضرورة البعد التاريخي والسيادي للقضية. كما أن الأحزاب السياسية ، عندما تتناول قضايا الوحدة الترابية، لا تتحرك دائما خارج الإطار العام للثوابت الوطنية، بل قد تعبر عن تصوراتها الخاصة لكيفية تدبير تلك القضايا وطرحها في المجال السياسي.
ومن هنا ، فإن أخطر ما يمكن أن ينتج عن الرواية الإسبانية ليس مجرد خلاف حول تصريحات انتخابية، وإنما خلق انطباع بأن قضية سبتة ومليلية أصبحت قابلة للفصل بين “موقف حكومي” و”موقف وطني”، أو أنها مجرد ورقة انتخابية يمكن أن تتغير بتغير موازين القوى السياسية. وهذا انطباع يحتاج إلى تدقيق سياسي ودبلوماسي واضح، لأن قضايا السيادة والوحدة الترابية تكتسب قوتها من استمرارية المبدأ ، لا من الظرفية الانتخابية.
كما أن الحديث عن “السيادة المغربية” على سبتة ومليلية ينبغي أن يُفهم في إطار أوسع للتحولات التي تشهدها العلاقات المغربية الإسبانية. فقد انتقلت هذه العلاقات خلال السنوات الأخيرة من مراحل التوتر الحاد إلى مستوى غير مسبوق من التعاون في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد والتجارة، غير أن هذا التقارب لم يؤدِّ ، في المقابل ، إلى إزالة الملفات السيادية العالقة، وفي مقدمتها وضع المدينتين المحتلتين.
وعليه، فإن الحفاظ على متانة الشراكة المغربية الإسبانية لا ينبغي أن يكون مرادفا لتجميد النقاش حول القضايا السيادية، كما أن الدفاع عن الوحدة الترابية لا يقتضي بالضرورة الدخول في مواجهة دبلوماسية مفتوحة مع مدريد . المطلوب هو بناء معادلة دقيقة تجمع بين ثبات المبدأ، وهدوء الدبلوماسية، وتدرج التدبير السياسي.
وتزداد أهمية هذه المعادلة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في غرب المتوسط وشمال إفريقيا ، حيث لم تعد قضية سبتة ومليلية منفصلة عن ملفات الهجرة والأمن و الطاقة والتجارة والربط الأوروبي-الإفريقي . فكلما ازدادت أهمية المغرب بالنسبة إلى المنظومة الأوروبية ، ازدادت معه الحاجة إلى مقاربة أكثر واقعية لقضايا السيادة التي ظلت عالقة منذ الحقبة الاستعمارية.
وبناء على ذلك ، فإن ما نُسب إلى الوزير ناصر بوريطة، إذا كان قد ورد فعلا بالصيغة التي نقلها ألباريس، يستحق نقاشا وطنيا هادئا ودقيقا ، ليس من منطلق التشكيك في الثوابت أو الدخول في سجال سياسي، وإنما من أجل ضمان وضوح الخطاب الرسمي المغربي تجاه قضية لا تحتمل الالتباس . فالاختلاف الحزبي مشروع ، والتنافس الانتخابي طبيعي ، والدبلوماسية تقتضي أحيانا المرونة في إدارة الملفات؛ لكن القضايا المرتبطة بالسيادة والوحدة الترابية تحتاج ، في المقابل ، إلى قدر عالٍ من الوضوح الاستراتيجي حتى لا تتحول المرونة التكتيكية إلى رسالة سياسية يمكن أن تُقرأ خارجيا باعتبارها تراجعا عن المبدأ.
إن قوة الموقف المغربي في قضية سبتة ومليلية لا تقاس بحدة التصريحات ، ولا بسرعة الانتقال إلى المواجهة الدبلوماسية، وإنما بقدرته على الجمع بين وضوح الحق الوطني، واستمرارية المطالبة، وحسن تدبير العلاقات الدولية. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تفرض، أكثر من أي وقت مضى، خطابا مغربيا متوازنا : لا يتنازل عن ثوابت السيادة ، ولا يسمح في الوقت نفسه بتحويل قضية وطنية استراتيجية إلى مادة للمزايدات الانتخابية أو التوتر الظرفي.
فالهدوء الدبلوماسي ليس تراجعا ، كما أن التشدد في الخطاب ليس بالضرورة قوة ؛ والقوة الحقيقية تتمثل في امتلاك رؤية طويلة المدى تجعل قضية سبتة ومليلية جزءا من استراتيجية وطنية متكاملة، قادرة على الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق صناعة التحول، مستفيدة من المتغيرات الإقليمية والدولية ومن تنامي الدور الاستراتيجي للمغرب في محيطه المتوسطي والإفريقي.


