يجسد المشهد الإنساني الذي عرفه إقليم العرائش ، ومعه مدينة القصر الكبير ، إحدى أبرز صور التلاحم الوطني الذي يميز المجتمع المغربي في أوقات الأزمات . فقد توافدت عشرات الشاحنات المحملة بالمساعدات الإنسانية من مختلف جهات المملكة ، في تعبير عملي عن روح التضامن الراسخة في الوجدان الجماعي للمغاربة ، وعن جاهزية المجتمع للتحرك العفوي والمنظم في آن واحد استجابة لحاجيات المتضررين .
وتنوعت طبيعة المساعدات بين مواد غذائية وأغطية وملابس ومستلزمات أساسية ، في مبادرات أطلقتها جمعيات مدنية وفاعلون اقتصاديون ومواطنون وشباب متطوعون ، ضمن دينامية تضامنية اتسمت بالتلقائية والمسؤولية . هذا الحراك لم يكن مجرد استجابة ظرفية ، بل عكس بنية اجتماعية متماسكة تؤمن بأن دعم المتضررين واجب وطني لا ينتظر تعليمات أو رهانات خارجية ، بل ينبع من ثقافة مجتمعية تعتبر التكافل جزءا من الهوية المغربية .
وفي هذا السياق ، برز البعد المؤسساتي والقيادي للاستجابة من خلال التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله ، الذي ما فتئ يضع البعد الاجتماعي في صلب الأولويات الوطنية . فقد باشرت عناصر القوات المسلحة الملكية توزيع وجبات الإطعام على المتضررين المقيمين بمركز الإيواء بجماعة سوق الطلبة قرب القصر الكبير ، في خطوة تعكس حضور الدولة الميداني وحرصها على ضمان شروط الكرامة والرعاية للمواطنين في أوقات الشدة . ويؤكد هذا التدخل أن المقاربة المغربية في إدارة الأزمات تقوم على التكامل بين المبادرة الشعبية والنجاعة المؤسساتية , ضمن تصور يجعل الإنسان محور السياسات العمومية .
وإن تفاعل المجتمع والدولة في هذه اللحظة الدقيقة يعكس نموذجا متجذرا من التضامن العملي ، حيث يتحول الانتماء الوطني إلى ممارسة يومية ، وتتجسد العدالة المجالية في الحرص على وصول الدعم إلى مختلف المناطق المتضررة دون تمييز . كما يبرز هذا التلاحم رؤية ملكية تعتبر التضامن الاجتماعي رافعة أساسية للنموذج التنموي المغربي ، وتؤسس لمعادلة قوامها أن قوة الدولة لا تقاس فقط بمؤسساتها ، بل بقدرتها على تعبئة طاقات مواطنيها وتعزيز الثقة المتبادلة بينهم وبين مؤسساتهم .
لقد أكد المغاربة ، مرة أخرى ، أن التضامن ليس شعارا ظرفيا ، بل ثقافة راسخة وسلوكا جماعيا يتجدد كلما استدعت الظروف ذلك .
أكيد أنه في لحظات الاختبار ، تتجلى أسمى صور المواطنة حين يتقدم الإنسان باعتباره محور الفعل الوطني ، وحين تتحول روح الجماعة إلى صمام أمان يحفظ استقرار المجتمع ويعزز مناعته في مواجهة مختلف التحديات .
