يشهد ملف الجبايات المحلية بالمغرب ، مع بداية سنة 2026 ، تحولات عميقة تعكس توجها مركزيا جديدا نحو تشديد آليات التحصيل وتعزيز الموارد الذاتية للجماعات الترابية ، خاصة ما يتعلق بالضريبة المفروضة على الأراضي الحضرية غير المبنية . وقد برز هذا التحول من خلال اعتماد مقاربة أكثر صرامة في التعامل مع طلبات الإعفاء من غرامات التأخير ، الأمر الذي أثار نقاشا واسعا حول حدود العدالة الجبائية ومدى مراعاة الأوضاع الاجتماعية لصغار المُلّاك .
وفي هذا السياق ، تعيش عدد من المدن المغربية ، من بينها مكناس، حالة من الجمود الإداري المرتبط بمعالجة ملفات الإعفاء ، بعدما أصبحت السلطات الإقليمية ، وعلى رأسها عمال العمالات والأقاليم ، أكثر تحفظا في التأشير على الطلبات المحالة من طرف المجالس الجماعية . وقد انعكس هذا التوجه بشكل مباشر على فئة واسعة من المواطنين ، خصوصا أصحاب البقع الأرضية الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها 100 متر مربع ، الذين وجدوا أنفسهم أمام تراكمات مالية متزايدة يصعب تسويتها في ظل غياب المرونة التي كانت تطبع تدبير هذه الملفات خلال السنوات الماضية .
ويثير هذا التشدد المتنامي تساؤلات متزايدة حول مدى تكافؤ المعاملة الجبائية بين مختلف الفاعلين العقاريين . فبينما يعبر صغار المُلّاك عن شعورهم بوجود تضييق إداري يحد من فرص تسوية وضعياتهم المالية ، تتداول أوساط مهنية وإعلامية معطيات بشأن استفادة بعض كبار المنعشين العقاريين وأصحاب الوعاءات العقارية الكبرى من صيغ “ تسوية ودية ” أو ترتيبات إجرائية أكثر مرونة بالنظر إلى ضخامة المبالغ المستحقة . غير أن مصادر مطلعة تنفي وجود أي إعفاءات استثنائية لفائدة ما يُعرف بـ” لوبيات العقار ”، مؤكدة أن المرحلة الحالية تتسم بطي صفحة الإعفاءات الواسعة واعتماد منطق استخلاص المداخيل الجبائية بشكل أكثر صرامة وانتظاما .
ويبدو أن هذا التوجه يندرج ضمن رؤية أوسع تقودها وزارة الداخلية بهدف تعزيز الاستقلالية المالية للجماعات الترابية ، في ظل الاعتماد المتزايد على مداخيل الأراضي غير المبنية كمورد أساسي لتمويل الميزانيات المحلية ودعم برامج التجهيز والتنمية الحضرية . غير أن هذا المسار ، رغم وجاهته من زاوية الحكامة المالية ، يعيد إلى الواجهة إشكالية التوازن بين متطلبات رفع المردودية الجبائية وبين الحفاظ على البعد الاجتماعي للسياسات العمومية ، خاصة في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين .
وفي المقابل ، لا تزال مسألة العدالة الجبائية تطرح نفسها بقوة داخل النقاش العمومي ، خصوصا مع تزايد الحديث عن محاولات بعض المنعشين العقاريين في مدن مثل طنجة ومحيطها البحث عن ثغرات قانونية أو آليات غير مباشرة لتقليص العبء الضريبي ، سواء عبر الطعن في تصنيف الأراضي أو التأثير على تقييماتها داخل اللجان المشتركة المكلفة بتحديد القيمة الجبائية . وهو ما يطرح تحديات حقيقية تتعلق بضرورة ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص أمام جميع الملزمين ، بعيد عن أي تفاوت محتمل في تطبيق القانون أو الاستفادة من المساطر الإدارية .
وفي ظل استمرار هذا النهج القائم على تشديد التحصيل الجبائي ، يجد العديد من المواطنين أنفسهم أمام معادلة معقدة تجمع بين ضرورة الامتثال للالتزامات الضريبية من جهة ، وصعوبة تحمل الأعباء المالية المتراكمة من جهة أخرى . وهي معادلة تجعل من إصلاح الجبايات المحلية رهانا مزدوجا ، لا يقتصر فقط على تعزيز الموارد المالية للجماعات الترابية ، بل يمتد أيضا إلى ترسيخ مبادئ الإنصاف والعدالة الاجتماعية داخل المنظومة الجبائية الوطنية .
