فاس – عبداللطيف نبيه
في ليلة صوفية بامتياز، تماهت فيها مقامات السماع المغربي الأصيل مع الرؤى الموسيقية العالمية المعاصرة، عاش جمهور مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة مساء أمس السبت 6 يونيو 2026، لحظات روحية فريدة بباب الماكينة، حيث شهدت الخشبة لقاءً فنياً رفيعاً جمع بين مجموعة الشمائل المحمدية برئاسة الحاج إسماعيل بوجيا، والفنان العالمي سامي يوسف وفرقته.
لقاء “الوجد” والمديح
لم تكن مشاركة مجموعة “الشمائل المحمدية” مجرد فقرة ضمن برنامج الحفل، بل كانت بمثابة العمود الفقري للسهرة، حيث أضفت بصمة الحاج إسماعيل بوجيا -المعروف بتعمقه في أصول السماع والمديح المكناسي- لمسة وقار وهيبة على العرض.
وقد تجلى التناغم الإبداعي بوضوح حين انصهرت أصوات “الشمائل المحمدية” الشجية مع أداء الفنان الكبير سامي يوسف. فبينما قدم بوجيا ومجموعته أمانة التراث المغربي الصوفي، كان سامي يوسف يبني فوق هذا الأساس جسوراً موسيقية عالمية، في حوارٍ فني رفيع المستوى استعرض فيه الطرفان قدرة الموسيقى على تجاوز الحدود، والتقاء المشرق بالمغرب في محراب الروح.
صدى الروح في القلوب: تفاعل جماهيري لافت
لقد تجاوز الحفل كونه عرضاً موسيقياً، ليتحول إلى تجربة وجدانية غامرة؛ إذ خيّم صمت مهيب على الفضاء التاريخي لـ “باب الماكينة” لحظة ارتفعت فيها أصوات مجموعة الشمائل المحمدية، حيث وجد الجمهور في أداء الحاج إسماعيل بوجيا ومجموعته صدىً لأصالة فاس وعمق تراثها الصوفي.
هذا الإنصات لم يكن تقليدياً، بل كان تفاعلاً حسياً يعكس تعطش المتلقي للكلمة الطيبة واللحن الذي يلامس الفطرة. وقد شهد الحفل تجاوباً لافتاً من الجمهور -بمختلف جنسياته وخلفياته- الذين امتزجوا في حالة من الانسجام، حيث لوحظ تمايل الحاضرين بخشوع مع الوصلات الصوفية، وتصفيق تقديري حار توج كل “قفلة” موسيقية، بل إن تأثر الجمهور وصل في لحظات المديح النبوي حد الدموع، في مشهد يؤكد أن اللغة الروحية التي قدمها الطرفان قد تجاوزت حواجز اللغة لتستقر في جوهر القلب.
عندما تتحاور “الشمائل” مع “العالمية”
لقد شكلت هذه الشراكة الفنية بين بوجيا ويوسف نموذجاً لما يصبو إليه مهرجان فاس في دورته التاسعة والعشرين؛ أي “تثمين الحرفة والتراث” ليس فقط في الصناعة اليدوية، بل في “حرفة” المديح والسماع التي يتقنها المعلمون المغاربة.
- الحاج إسماعيل بوجيا: قدم أداءً متزناً يعكس تجربة سنوات من حفظ وتلقين الأذكار والقصائد الصوفية، معيداً للجمهور وهج “الشمائل المحمدية” التي تُعد ذاكرة حية للمدينة العتيقة.

- سامي يوسف: أظهر تقديراً كبيراً لهذه القامة الفنية، حيث أتاح مساحة رحبة لمجموعة بوجيا لتتجلى في أدوارها، مما عكس رؤية يوسف في ألبومه الأخير “الوجد”، الذي يسعى فيه إلى ربط الموسيقى المعاصرة بالجذور الصوفية العميقة.

رسالة فنية في أزمنة متغيرة
وفي هذا السياق، أكد سامي يوسف في تصريحاته أن عودته لفاس، خاصة بمرافقة أسماء وازنة كالحاج إسماعيل بوجيا، تعد “عودة إلى الجذور”، مشدداً على أن هذه العروض الفنية المستوحاة من تقاليد عالمية متنوعة تهدف إلى إضاءة دروب الحكمة في أزمنة يكتسب فيها “النور” أهمية قصوى.
إن هذا التفاعل الجماهيري القوي يؤكد أن رهان الدورة التاسعة والعشرين على “المعلمين، حماة الحرفة والتراث” قد أتى ثماره، ليس فقط في الفضاءات الفنية، بل في عمق وعي ووجدان الجمهور الذي خرج من الحفل وهو يحمل معه “نوراً” سيظل حاضراً في ذاكرة هذه الدورة الاستثنائية.
وتتواصل فعاليات المهرجان، حيث يترقب الجمهور تتويج هذه اللقاءات الروحية في السهرة الختامية، التي ستستكمل هذا المسار الفريد بين التجربة المغربية الأصيلة والمدرسة المولوية العريقة.
