أخبار مكناس 24 – رشيد عثماني أستاذ باحث في القانون الدستوري وعلم السياسة كلية الحقوق مكناس
لا تعتبر السياسة، في جوهرها، فنًّا لإقصاء الخصوم، ولا حلبةً لتصفية الحسابات، ولا موسمًا لتبادل الاتهامات، وإنما هي، في أرقى معانيها، مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون منافسة على السلطة، ورسالة في خدمة الصالح العام قبل أن تكون سعياً إلى كسب المواقع. ولذلك، فإن المجتمعات التي ارتقت في تجاربها الديمقراطية لم تبلغ ذلك لأنها ألغت الاختلاف، وإنما لأنها نجحت في تهذيبه، وحوّلته من سببٍ للانقسام إلى مصدرٍ للإبداع، ومن مجالٍ للصراع إلى فضاءٍ للتنافس المشروع. فالأمم العريقة ليست تلك التي تخلو من الخلافات، بل تلك التي تعرف كيف تجعل من اختلافاتها رافعةً لتقدمها، وكيف تُبقي الوطن فوق كل اعتبار، والمؤسسات فوق كل نزاع، والمصلحة العامة فوق كل الحسابات الضيقة. أما حين ينحدر النقاش من مستوى الأفكار إلى مستوى الأشخاص، ومن ميدان المشاريع إلى ساحات التشهير، ومن قوة البرهان إلى ضجيج المنصات، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون فردًا أو حزبًا، وإنما تكون السياسة نفسها.
لقد أدرك أرسطو، منذ أكثر من ألفي عام، أن السياسة ليست فن السيطرة، وإنما هي فن تحقيق الخير العام. ولذلك جعل غاية الدولة تحقيق الحياة الفاضلة للمواطنين، لا مجرد إدارة السلطة. ومن هذا المنطلق، فإن السياسة التي تتحول إلى وسيلة للنيل من الأشخاص، أو إلى ساحة لتصفية الحسابات، تفقد رسالتها الأخلاقية، وتتحول من خدمة للمجتمع إلى صراع على النفوذ، ومن مشروع لبناء المستقبل إلى محاولة لهدم المنافس.
ولم يكن مونتسكيو بعيدًا عن هذا التصور، حين اعتبر أن بقاء الأنظمة الحرة لا يرتبط بالنصوص وحدها، بل بالفضيلة السياسية التي تضبط سلوك القائمين عليها. فالقوانين، مهما بلغت درجة الإحكام، لا تستطيع وحدها حماية الحرية إذا غابت أخلاق الممارسة، لأن روح النظام الدستوري لا تستقيم إلا عندما يلتزم الفاعلون السياسيون بقواعد المنافسة الشريفة، ويجعلون من احترام الخصم جزءًا من احترام الدولة نفسها.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: من ربح معركة إعلامية؟ وإنما: ماذا بقي من هيبة السياسة بعد أن أصبح الضجيج، في أحيان كثيرة، أعلى من صوت الفكرة، وأصبحت الإثارة الرقمية أكثر حضورًا من النقاش العمومي الرصين؟ وفي هذا السياق بين الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، في نظريته حول الفضاء العمومي، أن الديمقراطية لا تُقاس فقط بجودة نصوصها الدستورية، وإنما بقدرتها على خلق فضاء يتداول فيه المواطنون الأفكار بحرية ومسؤولية، حيث تُقاس الآراء بقوة حججها لا بحجم الضجيج الذي يرافقها. فالمجال العمومي، في نظره، ليس سوقًا للشائعات، ولا مسرحًا للاستعراض، وإنما فضاءٌ لإنتاج العقل الجماعي، وصناعة التوافقات التي تخدم المجتمع. غير أن ما يشهده العالم اليوم، ومعه كثير من الديمقراطيات، يكشف عن تحوّل مقلق؛ إذ لم تعد بعض المنصات الرقمية مجرد وسائل للتواصل، بل تحولت أحيانًا إلى أدوات لصناعة الانطباعات المسبقة، وتوجيه الرأي العام، وإنتاج ما سماه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بـ “العنف الرمزي” ذلك العنف الذي لا يحتاج إلى سلاح، لأنه يستهدف الرصيد المعنوي للأفراد، ويعمل على تقويض صورتهم الاجتماعية عبر الإشاعة، والتكرار، والإيحاء، حتى يصبح الكذب، مع كثرة تداوله، أقرب إلى التصديق من الحقيقة نفسها.
بالموازاة مع ذلك، ميزت الفيلسوفة حنة آرندت بين السلطة والعنف، معتبرةً أن السلطة الحقيقية تستمد مشروعيتها من القبول والثقة، أما العنف فلا يظهر إلا حين تضعف الحجة ويعجز صاحبها عن الإقناع. وإذا كان العنف في الأزمنة الماضية يأخذ صورة الإكراه المادي، فإن العصر الرقمي أوجد شكلاً أكثر خفاءً وأشد أثرًا، يتمثل في اغتيال السمعة، وتشويه الاعتبار، وتحويل الإنسان إلى موضوع لحملات منظمة تستهدف صورته أكثر مما تستهدف أفكاره.
ومن هنا، فإن أخلاق التنافس السياسي ليست ترفًا فكريًا، ولا مجرد دعوة مثالية، بل هي أحد الشروط الجوهرية لاستمرار الثقة في المؤسسات. فالقلق الحقيقي لا يكمن في وجود الاختلاف، لأن الاختلاف هو روح السياسة، وإنما في تراجع أخلاقيات الاختلاف. فالذين يعجزون عن إقناع المواطن بمشروعهم قد يجدون في إثارة الشبهات طريقًا مختصرًا إلى لفت الانتباه، غير أن هذا الطريق، وإن حقق ضجيجًا عابرًا، فإنه لا يصنع ثقة، ولا يبني مؤسسات، ولا يؤسس لمستقبل.
ولعل الفيلسوف كارل بوبر كان محقًا حين اعتبر أن قوة المجتمع المفتوح لا تُقاس بغياب النقد، وإنما بقدرته على تحويل النقد إلى وسيلة للإصلاح لا للهدم، وإلى حوار عقلاني لا إلى خصومة دائمة. فالنقد الذي يفتقد الإنصاف لا يعود نقدًا، بل يتحول إلى أداة لإغلاق المجال العام، وإضعاف الثقة التي تقوم عليها كل تجربة ديمقراطية.
ويستفاد من هذا ان أخطر ما يواجه المجتمعات ليس وجود معارضة أو منافسة، وإنما أن يتحول المجال العام إلى فضاء تتراجع فيه الحقيقة أمام سرعة الإشاعة، وتصبح فيه الإثارة أكثر جاذبية من البرهان. عندئذ لا نخسر مجرد مستوى النقاش السياسي، بل نخسر قيمة السياسة نفسها، لأنها تتحول من رسالة لبناء الوطن إلى صناعة للضجيج.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل فاعل سياسي على نفسه ليس: كيف أغلب خصمي؟ وإنما: ماذا سأضيف إلى رصيد وطني؟ وكيف أجعل من حضوري في الحياة العامة إضافةً إلى التجربة الديمقراطية، لا عبئًا عليها؟ لأن السياسة، في نهاية المطاف، ليست امتحانًا في القدرة على إسقاط الآخرين، وإنما امتحان في القدرة على خدمة الوطن، وصيانة الثقة، والارتقاء بالمجال العام إلى المستوى الذي تستحقه أمة لها تاريخ، ودولة لها مؤسسات، وشعب يتطلع إلى مستقبل يصنعه الحوار لا الضجيج.
حين يصبح التراكم الدستوري مسؤولية أخلاقية
إذا كان الانحدار في الخطاب السياسي ظاهرةً لا تكاد تخلو منها الديمقراطيات المعاصرة، فإن خصوصية المغرب تكمن في أنه اختار، منذ بواكير بناء دولته الحديثة، طريقاً مختلفاً، يقوم على الإصلاح المتدرج، والتوافق المؤسساتي، واستيعاب التحولات في إطار الاستقرار، لا منطق القطيعة أو المغالبة. ولم يكن هذا الاختيار وليد ظرفية سياسية عابرة، وإنما ثمرة تراكم تاريخي ودستوري طويل، شاركت في بنائه المؤسسة الملكية، والقوى الوطنية، والأحزاب السياسية، والنخب الفكرية، والمجتمع المدني، كل من موقعه، حتى تشكلت تجربة مغربية ذات خصوصية واضحة داخل محيط إقليمي ودولي كثير الاضطراب.
لقد أدرك المغرب، في مختلف محطاته الدستورية، أن بناء الدولة لا يقوم على هدم ما سبق، وإنما على التراكم، وأن الإصلاح الحقيقي ليس هو الذي يقطع مع الماضي، بل الذي يستثمر مكتسباته ويمنحه القدرة على مواكبة تحولات المجتمع. ولذلك جاءت الدساتير المغربية، كل في سياقها التاريخي، لتؤطر مراحل تطور الدولة، إلى أن شكل دستور سنة 2011 محطة دستورية مفصلية، عزز دولة الحقوق والحريات، ووسع مجال المشاركة السياسية، ورسخ مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وقوى مكانة المؤسسات الدستورية، وفتح آفاقاً جديدة لتطوير الممارسة الديمقراطية.
وهذا التراكم ليس وليد العقد الأخير، بل هو امتداد لمسار تاريخي عريق. فقد ظل المغرب، عبر عصور، يحافظ على خيط ناظم جمع بين الشرعية التاريخية، ووحدة المؤسسة، والتدرج في الإصلاح، والقدرة على استيعاب التحولات دون التفريط في الثوابت. ولم يكن هذا التوازن ثمرة الصدفة، بل حصيلة خبرة سياسية وحضارية جعلت من الاستمرارية إطاراً للإصلاح، ومن الإصلاح وسيلة لتعزيز الاستقرار. ولذلك، فإن هذه الخصوصية ليست مجرد معطى دستوري، بل ثقافة سياسية راسخة ينبغي أن تنعكس في أخلاق الفاعلين قبل أن تظهر في النصوص، لأن قوة الدساتير لا تُقاس بما تتضمنه من مبادئ فحسب، وإنما أيضاً بما تُنتجه من ممارسات تعكس روح الدولة واستمرارية مؤسساتها. ولعل هذا هو المعنى العميق للدستور؛ فهو لا ينظم توزيع الاختصاصات بين المؤسسات فحسب، بل يسعى أيضاً إلى ترسيخ ثقافة دستورية تجعل من الاختلاف إطاراً للتعاون، ومن المنافسة وسيلة لخدمة المصلحة العامة، لا مدخلاً لإضعاف الثقة في المؤسسات أو المساس بصورة الدولة.
ولذلك، لم يكن من قبيل المصادفة أن يردد الجنرال شارل ديغول أن الدستور ليس مجرد نص قانوني، وإنما هو “روح، ومؤسسات، وممارسة”. فالنصوص، مهما بلغت درجة الإحكام، لا تحقق غاياتها بذاتها، وإنما تكتسب قيمتها من أخلاق من يمارسونها، ومن احترامهم لروحها قبل التمسك بمنطوقها. فالمؤسسات لا تُضعفها المعارضة، وإنما يضعفها انحدار الخطاب السياسي حين يتحول من نقد السياسات إلى استهداف الأشخاص.
وتأسيسا لذلك، فإن المحافظة على صورة التجربة المغربية لا تتحقق فقط بحسن صياغة القوانين، وإنما كذلك بالارتقاء بمستوى الخطاب العمومي. فالمغرب لم يعد يخاطب أبناءه وحدهم، بل أصبح يخاطب العالم، وأصبحت تجربته السياسية والدستورية محل متابعة من شركائه، ومن محيطه الإقليمي، ومن الباحثين والمهتمين بالشأن العمومي، باعتبارها تجربة اختارت الإصلاح في إطار الاستقرار، والتحديث دون المساس بالثوابت الجامعة.
بالموازاة مع ذلك فقد أشار ألكسيس دو توكفيل إلى أن سر قوة الديمقراطيات لا يكمن في مؤسساتها وحدها، بل في العادات المدنية التي يكتسبها المجتمع، وفي الثقافة السياسية التي تجعل احترام الخصم جزءاً من احترام النظام الديمقراطي نفسه. فالديمقراطية ليست مجرد آلية لفرز الأغلبية، وإنما هي ثقافة سلوك، وأخلاق ممارسة، وإيمان بأن التداول على السلطة لا يمكن أن يستقيم إذا فقدت الحياة العامة قيمها الأساسية. ولهذا، جعل المفكر الفرنسي بيير روزنفالون مفهوم الثقة في صميم تحليله للديمقراطية المعاصرة، معتبراً أن الشرعية الانتخابية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء الثقة، وإنما تحتاج إلى شرعية الممارسة، وشفافية الأداء، ومسؤولية الخطاب. فحين تتحول الحياة العامة إلى فضاء دائم للاتهامات، فإن أول الضحايا ليس الأشخاص، بل الرصيد المعنوي للمؤسسات، لأن الثقة لا تُبنى بالضجيج، وإنما تُبنى بالمصداقية.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية للنخب السياسية والفكرية والإعلامية لم تعد تقتصر على الدفاع عن مواقفها، بل أصبحت تشمل أيضاً حماية الرصيد المعنوي للدولة. فصورة المغرب في الخارج لا تتشكل فقط من خلال إنجازاته الاقتصادية أو حضوره الدبلوماسي، وإنما تتشكل أيضاً من خلال جودة خطابه السياسي، ومستوى نقاشه العمومي، وقدرة فاعليه على إدارة الاختلاف بما يعكس نضج مؤسساته واحترامهم لقيم الدولة الدستورية.
فمكانة الدولة في القرن الحادي والعشرين لا تُبنى بالدبلوماسية وحدها، بل تُبنى أيضاً بجودة خطابها السياسي، وبقدرة نخبها على إدارة الاختلاف بما يعكس نضج مؤسساتها واحترامها لقيم الدولة الدستورية. إن العالم لا يقرأ النصوص الدستورية فقط، بل يقرأ كذلك سلوك من يمارسونها، لأن صورة المؤسسات تبدأ من صورة النخب التي تتحدث باسمها.
ولهذا، فإن الوفاء للتراكم الدستوري والسياسي الذي حققه المغرب لا يكون بمجرد الاحتفاء به في المناسبات، وإنما بتحويله إلى ممارسة يومية تُجسد قيم الاحترام، والاعتدال، والإنصاف، والمسؤولية. فالتاريخ لا يحفظ النصوص وحدها، بل يحفظ أيضاً أخلاق الذين حملوا تلك النصوص إلى واقع الناس، وجعلوا منها ثقافةً قبل أن تكون قواعد قانونية. وهو ما يسمح بالتأكيد ان الوطن الذي احتاج قروناً لبناء رصيده التاريخي والمؤسساتي، لا يجوز أن يُختزل في منشور عابر، أو في حملة رقمية موسمية، أو في خطاب يستبدل المشروع بالإشاعة، والحجة بالتشهير. فالدول العريقة تُبنى بالتراكم، لكنها قد تُستنزف إذا فقدت نخبها الإحساس بأن الكلمة مسؤولية، وأن السياسة، قبل أن تكون تنافساً على المواقع، هي التزام دائم بحماية الدولة وصيانة كرامة الإنسان.
أخلاق السياسة… حين يكون الوطن أكبر من الخصومات
إن الأزمة الحقيقية التي تواجه المجتمعات الديمقراطية ليست في وجود الاختلاف- (فالاختلاف هو روح السياسة) – وإنما في فقدان القدرة على إدارة هذا الاختلاف بأخلاق ومسؤولية. فكل نظام ديمقراطي يحتاج إلى أغلبية كما يحتاج إلى معارضة، ويحتاج إلى النقد كما يحتاج إلى الإنجاز، لكنه يحتاج، قبل ذلك كله، إلى وعي جماعي بأن الوطن هو الثابت، وأن المواقع السياسية متغيرة، وأن المؤسسات تبقى بينما تتغير الحكومات، وأن ما يخلده التاريخ ليس من انتصر على خصمه، وإنما من أسهم في بناء الدولة وخدمة المجتمع. وعليه، فإن مسؤولية النخب السياسية والفكرية لا تبدأ من لحظة الوصول إلى مواقع القرار، وإنما تبدأ من الكيفية التي تمارس بها حضورها داخل الفضاء العمومي. فالكلمة في السياسة ليست مجرد رأي، بل هي مسؤولية، وقد تبني الثقة كما قد تهدمها، وقد تجمع المواطنين حول مشروع وطني كما قد تدفعهم إلى الشك والانقسام. وقد كان أنطونيو غرامشي محقًا حين اعتبر أن المثقف الحقيقي ليس ذلك الذي يكتفي بوصف الواقع، وإنما الذي يجعل من المعرفة التزامًا أخلاقيًا. لذلك، فإن المجتمع الذي تتحول فيه الكفاءة إلى سبب للاستهداف، والنجاح إلى ذريعة للتشهير، إنما يغامر بإقصاء أفضل طاقاته، ويفتح الباب أمام هيمنة الضجيج على حساب العقل.
ويتعزز هذا المعنى مع الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، الذي جعل من الاعتراف بالآخر أحد الأسس الكبرى للأخلاق العامة. فالاختلاف لا يكتمل إلا إذا كان قائماً على الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية، واحترام حق الآخر في أن يفكر بصورة مختلفة. ومن دون هذا الاعتراف، تتحول السياسة إلى خصومة دائمة، ويصبح الانتصار على الشخص أهم من الانتصار للفكرة. ومن ثم، فإن قوة الديمقراطية لا تظهر عندما يتفق الجميع، بل عندما يختلفون ويبقى الاحترام قائماً بينهم. فالخصم السياسي ليس عدواً للوطن، وإنما شريك في إدارة الاختلاف داخل إطار الدستور والقانون. وكلما ارتفع مستوى هذا الوعي، ازدادت التجربة الديمقراطية نضجًا، وازدادت المؤسسات قوة، واتسعت مساحة الثقة بين الدولة والمجتمع.
وتبعا لذلك، فإن التعددية السياسية ليست مجرد تعدد في التنظيمات، وإنما تعدد في الرؤى والبرامج والمشاريع المجتمعية. وقيمة الديمقراطية لا تكمن في مجرد وجود أحزاب مختلفة، وإنما في الاعتراف المتبادل بحق كل حزب، ما دام يحتكم إلى الدستور والقانون، في أن يحمل مشروعًا مجتمعيًا، وأن يسعى إلى تنزيله عبر الوسائل الديمقراطية المشروعة. فليس من مقتضيات التعددية أن يُسمح لفكرة واحدة بالاحتكار، أو أن يُنظر إلى المجال السياسي وكأنه ملكية حصرية لاتجاه دون غيره. لذلك، فإن من حق كل حزب سياسي، كيفما كانت مرجعيته، أن يعرض مشروعه المجتمعي على المواطنين، وأن يسعى إلى تنزيله عبر الوسائل الديمقراطية، كما أن من حق المجتمع أن يناقشه، وأن ينتقده، وأن يقبله أو يرفضه عبر صناديق الاقتراع. أما أن يُستبدل النقاش حول البرامج بحملات التشهير، وأن يُواجه المشروع المجتمعي باستهداف الأشخاص، فذلك ليس تعبيرًا عن قوة الديمقراطية، بل هو عجزٍ عن منافسة الأفكار بالأفكار.
ولئن كانت بعض الحملات الرقمية قد أصبحت، في كثير من الأحيان، تستهدف الأشخاص أكثر مما تناقش البرامج، فإن ذلك لا ينبغي أن يصرف الأنظار عن جوهر العملية الديمقراطية، لأن المشاريع المجتمعية لا تُقاس بأسماء أصحابها، وإنما بما تحمله من تصورات، وما تقدمه من حلول، وما تناله من ثقة المواطنين. ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست معركة منشور، ولا تعليق، ولا حملة رقمية، وإنما معركة الحفاظ على ثقة المواطن، وصيانة هيبة المؤسسات، وترسيخ ثقافة الحوار. وقد يربح البعض جولةً في فضاء افتراضي، لكن الوطن هو الذي يدفع الثمن إذا خسر الخطاب السياسي اتزانه، وإذا فقدت الكلمة معناها الأخلاقي.
قد يختلف السياسيون في البرامج، وتتباين اجتهاداتهم في الوسائل، وتتعدد قراءاتهم لأولويات المرحلة؛ غير أنهم يفقدون شرعية الاختلاف يوم ينسون أن الوطن هو الطريق المشترك بينهم جميعًا، وأن المنافسة لا تكتسب مشروعيتها إلا بقدر ما تضيف إلى رصيد الدولة ولا تنتقص من وحدتها المعنوية.
إن المغرب، وهو يواصل مسيرته بثقة نحو المستقبل، في حاجة إلى نخب تؤمن بأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من مؤسسات، وإنما أيضًا بما تمتلكه من ضمير سياسي، وأن الديمقراطية لا تزدهر بالضجيج، بل بالعقل، ولا تتقوى بالإقصاء، بل بالاحترام، ولا تُصان بالتشهير، بل بالحقيقة. ولعل السياسة في حاجة اليوم إلى شيء واحد أكثر من أي وقت مضى: أن نستحضر أننا، مهما اختلفنا في المواقع والانتماءات، فإننا نلتقي جميعًا تحت راية وطن واحد، وأن الكلمة التي نهدم بها إنسانًا قد نهدم بها جزءًا من صورة المغرب التي تعب أجيال من الوطنيين في بنائها، وأن الإساءة إلى أخلاق السياسة ليست إساءة إلى خصم، بل إساءة إلى الوطن نفسه.
فالوطن، في نهاية المطاف، لا ينتصر حين يُهزم خصم سياسي، وإنما ينتصر حين ترتقي أخلاق السياسة إلى مستوى تاريخه، وحين يصبح الاختلاف مصدر قوة لا سببًا للتفرقة، ومجالًا لإنتاج الأفكار لا لتصفية الحسابات. فالسياسة، مهما اشتدت منافساتها، تبقى عابرة، أما الوطن فباقٍ. والانتخابات تنتهي، والمناصب تتبدل، والأسماء تتغير، لكن ما يبقى في ذاكرة الشعوب هو من حافظ على كرامة الكلمة، وصان هيبة المؤسسات، وجعل من الاختلاف وسيلة للبناء المستدام. لذلك، فإن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تتحقق على الخصوم، وإنما تلك التي تتحقق للوطن. وقد يربح البعض معركة على شاشة هاتف، لكن الوطن هو الذي يدفع ثمن الهزيمة عندما تخسر السياسة أخلاقها. وفي هذا المعنى الخالد، يبقى قول الله تعالى هاديًا لكل من يكتب، أو ينشر، أو يتحدث في الشأن العام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ صدق الله العظيم.
إنها ليست دعوة إلى التثبت فحسب، بل ميثاق أخلاقي خالد، يذكرنا بأن الكلمة أمانة، وأن الحقيقة مسؤولية، وأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تصبح ثمنًا للمنافسة السياسية، وأن الأوطان التي تُصان فيها الكرامة، ويُحترم فيها الاختلاف، وتُقدَّم فيها المصلحة العامة على الأهواء، هي وحدها الأوطان القادرة على صناعة المستقبل.
ويبقى المغرب، بتاريخ دولته، وعمق حضارته، ورسوخ مؤسساته، أكبر من كل حملة عابرة، وأسمى من كل خصومة مؤقتة، وأبقى من كل ضجيج لا يلبث أن يزول. فالدول العريقة لا يحميها غياب الاختلاف، وإنما تحميها أخلاق الاختلاف، واحترام المؤسسات، ونبل التنافس، لأن قوة الوطن لا تُقاس بغياب النقد، بل بقدرته على تحويل الاختلاف إلى طاقةٍ للبناء، وجعل التنافس سبيلًا لخدمة الصالح العام، وصون مكانته واعتباره بين الأمم. فالأوطان تبقى… أما الضجيج فمصيره إلى الصمت.
