لم تكن التهنئة التي وجهها الرئيس الاسرائيلي إسحاق هرتسوغ الى فاطمة الزهراء المنصوري، بمناسبة تعيينها رئيسة للحكومة المغربية، مجرد رسالة بروتوكولية مرتبطة بتغيير على رأس الجهاز التنفيذي المغربي، بل حملت في صياغتها مجموعة من الاشارات الدبلوماسية والسياسية التي تجعلها جديرة بالقراءة في سياق العلاقات المغربية الاسرائيلية وتطوراتها الاقليمية.
فقد هنأ هرتسوغ المنصوري باسم دولة اسرائيل، واصفا تعيينها بأنه “تاريخي”، ومتمنيا لها النجاح في مهامها، قبل ان ينتقل في الجزء الثاني من رسالته من الشخص الى مستوى العلاقات بين الدولتين، من خلال الاشادة بما وصفه بقيادة الملك محمد السادس في السعي الى تحقيق السلام وتعزيز الروابط التاريخية بين الشعبين المغربي والاسرائيلي. كما ختم رسالته بدعوة الى مواصلة العمل من اجل “توسيع دائرة السلام والتسامح” في المنطقة.
وتكشف هذه البنية الخطابية عن انتقال واضح من التهنئة السياسية الى الرسالة الدبلوماسية. فالجزء الاول موجه الى رئيسة الحكومة الجديدة باعتبارها شخصية سياسية تتولى مسؤولية تنفيذية عليا، بينما يضع الجزء الثاني الحدث في اطار اوسع يتعلق بالعلاقات بين المغرب واسرائيل. ومن ثم، فان التهنئة لا تكتفي بالاعتراف بأهمية تعيين امرأة على رأس الحكومة، وانما تستثمر المناسبة لاستحضار مسار العلاقات الثنائية والمرجعية التي تحكمها.
واللافت ايضا هو حضور الملك محمد السادس بشكل مباشر في الرسالة. فهرتسوغ لم يكتف بالاشارة الى المنصوري بصفتها رئيسة للحكومة، بل ربط تعيينها بالملك محمد السادس، ثم خصص مساحة مستقلة للاشادة بما سماه “القيادة” في السعي الى السلام وتعزيز الروابط التاريخية بين الشعبين. وهذه الصياغة تعكس، من الناحية الدبلوماسية، ادراكا اسرائيليا لمركزية المؤسسة الملكية في تحديد التوجهات الاستراتيجية للمغرب في القضايا الكبرى، ومن ضمنها العلاقات الخارجية.
كما ان استعمال عبارة “الروابط التاريخية بين شعبينا” يستحق وقفة خاصة، لانه لا يحصر العلاقة في بعدها السياسي المعاصر، بل يستدعي بعدا تاريخيا واجتماعيا وثقافيا يتجاوز العلاقات الرسمية بين الحكومتين.
فالعلاقات المغربية اليهودية تمتلك امتدادات تاريخية عميقة داخل المجتمع المغربي، وهو عنصر حاضر باستمرار في الخطاب المرتبط بالعلاقات المغربية الاسرائيلية. وبالتالي فان استحضار “الروابط التاريخية” في رسالة هرتسوغ يمنح التهنئة بعدا يتجاوز الدبلوماسية الرسمية نحو استحضار الذاكرة المشتركة.
اما عبارة “توسيع دائرة السلام والتسامح في منطقتنا”، فتضع الرسالة في سياق اقليمي اوسع. فهي لا تتحدث فقط عن استمرار العلاقات الثنائية، بل تستخدم مفردات السلام والتسامح باعتبارها مفاهيم مرتبطة بالتصور الاسرائيلي للعلاقات الاقليمية.
ومن المهم كذلك ملاحظة ما لم تقله الرسالة. فهي لم تتطرق الى القضية الفلسطينية، ولم تدخل في تفاصيل المواقف المغربية من النزاعات الاقليمية، كما لم تتناول الملفات الخلافية التي تحيط بالشرق الاوسط. واختارت بدلا من ذلك التركيز على ثلاثة محاور: التهنئة بالتعيين، الاشادة بدور الملك محمد السادس، والدعوة الى توسيع دائرة السلام والتسامح. وهذا الانتقاء في حد ذاته جزء من اللغة الدبلوماسية للرسالة.
وفي السياق الزمني، جاءت التهنئة مباشرة بعد استقبال الملك محمد السادس حفظه الله لفاطمة الزهراء المنصوري بالقصر الملكي بالرباط يوم 29 شتنبر 2026 وتعيينها رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، وفق ما اوردته التغطيات الاعلامية المغربية. ولذلك يمكن فهم الرسالة باعتبارها تفاعلا دبلوماسيا سريعا مع حدث سياسي مغربي ذي دلالة رمزية، خاصة مع كون المنصوري اول امرأة تتولى رئاسة الحكومة وفق النصوص المنشورة حول التهنئة.
ومن زاوية تحليل الخطاب، تبدو الرسالة قائمة على ثلاث دوائر متداخلة: دائرة داخلية تتعلق بأهمية تعيين المنصوري، ودائرة ثنائية تتصل بالعلاقات المغربية الاسرائيلية، ثم دائرة اقليمية تتعلق بمفهوم السلام والتسامح. وهذا التدرج ليس عرضيا، بل يسمح للرسالة بالانتقال من حدث مغربي داخلي الى تثبيت خطاب العلاقات الثنائية ثم ربطها بالسياق الاقليمي.
وعليه، فان القيمة السياسية للرسالة لا تكمن فقط في كون الرئيس الاسرائيلي هنأ رئيسة الحكومة المغربية الجديدة، وانما في الطريقة التي استثمر بها المناسبة لتجديد التأكيد على اهمية العلاقات بين المغرب واسرائيل، مع الاشارة صراحة الى دور الملك محمد السادس في هذا المسار. وفي المقابل، فان قراءة الرسالة بشكل علمي تقتضي عدم تحميلها اكثر مما تحتمل، فهي رسالة تهنئة دبلوماسية ذات مضامين سياسية واضحة .
وتبقى الدلالة الابرز في ان مناسبة داخلية مغربية تحولت، في الخطاب الاسرائيلي، الى فرصة لاعادة استحضار مفردات السلام والروابط التاريخية والتسامح. وهو ما يكشف كيف يمكن للرسائل البروتوكولية في العلاقات الدولية ان تؤدي وظيفة سياسية ورمزية تتجاوز مضمونها المباشر، خصوصا عندما يتعلق الامر بعلاقات ذات ابعاد تاريخية ودينية واقليمية متشابكة.

